السياسة والحكم - AGSI Arab Gulf States Institute Fri, 30 Jan 2026 21:31:00 +0000 ar hourly 1 https://wordpress.org/?v=6.8.3 https://agsi.org/wp-content/uploads/2024/09/cropped-Vector-32x32.png السياسة والحكم - AGSI 32 32 244825766 ترامب والمزاج الأمريكي القاتم https://agsi.org/ar/analysis/trump-and-the-dark-american-mood-arabic/ Fri, 30 Jan 2026 21:31:00 +0000 https://agsi.org/?post_type=analysis&p=35159 في ظل هذا المزاج المتشائم يتساءل الكثير من الأمريكيين عن معنى أن يكون المرء مواطناً أمريكياً في هذه اللحظة الحرجة التي تمر بها البلاد والعالم.

The post ترامب والمزاج الأمريكي القاتم appeared first on AGSI.

]]>
خلال ربيع سنة 1970 شهدت الجامعات الأمريكية تظاهرات واسعة ضد حرب فيتنام، التي كانت في أوجها آنذاك، بعد أن أعلن الرئيس ريتشارد نيكسون عن توسيع رقعة الحرب لتشمل كمبوديا. جاءت هذه التظاهرات الاحتجاجية بعد عقد الستينات، الذي هز البلاد بعنف غير مسبوق داخلياً وخارجياً، حيث احترقت أحياء بكاملها في كبريات المدن الأمريكية عقب اغتيال قائد حركة الحقوق المدنية القس مارتن لوثر كينغ في 1968، وهي السنة ذاتها التي شن فيها الفيتكونغ وجيش فيتنام الشمالية أكبر حملة عسكرية في تاريخ الحرب ضد القوات الأمريكية وحلفائها، استمرت لأسابيع، وأدت إلى مقتل حوالي 4 آلاف عسكري أمريكي.

التظاهرات الاحتجاجية في الجامعات دفعت بالرئيس نيكسون، وبعض حلفائه المحافظين من حكام الولايات، إلى نشر عناصر من الحرس الوطني للتصدي للطلاب “الراديكاليين والشيوعيين”، كما وصفهم حاكم ولاية أوهايو جيمس رودس، الذي نشر الحرس الوطني في جامعات الولاية، ومن بينها جامعة كينت.

في الرابع من مايو/أيار، تجمع مئات الطلاب تحضيراً لتظاهرة ظهر هذا اليوم، وحين تقدمت وحدات الحرس الوطني تجاههم، رمى بعض الطلاب عناصر الحرس بالحجارة، فرد هؤلاء بإطلاق الغاز المسيل للدموع. وسرعان ما تدهور الوضع بشكل مأساوي، عندما قامت وحدة من قوات الحرس الوطني بإطلاق النار (67 رصاصة) على عدد من الطلاب العزل، فقتلوا أربعة طلاب، شابين وشابتين في التاسعة عشرة والعشرين من العمر، أثنين منهما كانا في طريقهما لحضور حصة دراسية، وجرحوا تسعة أخرين.

أثارت أحداث العنف في جامعة كينت، وإهانات الرئيس نيكسون للطلاب، موجة غضب عارمة طالت الحرب والرئيس نيكسون والحرس الوطني والاستقطابات السياسية، وعجز النظام السياسي ككل في منع البلاد من الانزلاق إلى الفوضى والعنف. مشاعر انعدام اليقين، والشكوك في صدقية المسؤولين والمؤسسات الحكومية، والخوف من العنف الذي يمكن أن تمارسه السلطات، أصبحت سائدة، ودفعت بالعديد للتساؤل إلى أين تسير البلاد، وهل يمكن صيانة النظام الديموقراطي في ظل حرب شرسة، تشوه وتقتل آلاف الشباب الأمريكيين على بعد آلاف الأميال، وفي ظل الاستقطابات والترهيب والعنف التي تمارسه حكومة لا تتردد في اللجوء إلى أساليب غير ديموقراطية لصيانة نفوذها.

الاضطرابات والاحتجاجات الشعبية في مدينة مينيابوليس بولاية مينيسوتا خلال الأسابيع الماضية، والتي تسبب بها نشر الرئيس ترامب لعناصر من حرس الحدود والمسؤولين عن ضبط الهجرة بحجة تعقب المهاجرين غير الموثقين والمتهمين بارتكاب جرائم عنف بهدف اعتقالهم وترحيلهم، سرعان ما تدهورت وتحولت إلى مواجهات في الشوارع بين المواطنين، الذين احتجوا ورفضوا أساليب القمع التي استخدمها الحرس ضد المهاجرين، والمواطنين على حد سواء. ويأمل الرئيس ترامب ومستشاره لشؤون الهجرة المتشدد ستيفن ميلر، استهداف الجالية الصومالية، الكبيرة نسبياً، في مينيابوليس، بعد أن وصف الرئيس ترامب الصوماليين، بمن فيهم النائبة إلهان عمر، صومالية الأصل، “بالزبالة”، الذين يستحقون الترحيل إلى بلادهم الأصلية.

وكان الرئيس ترامب قد وسع هذه القوى من خلال تجنيد المزيد من الحرس، وتخصيص ميزانية ضخمة لتمويل عمليات عديدة لاعتقال وترحيل المهاجرين، أمر بها ترامب، وطالت عدداً من كبريات المدن الأمريكية، التي يقودها مسؤولون ينتمون إلى الحزب الديموقراطي، عارضوا جميعهم نشر هذه القوات في مدنهم وولاياتهم. ويتهم معارضو ترامب في الكونغرس والاعلام ومؤسسات المجتمع المدني، بأنه يستخدم هذه القوى وكأنها جهاز شرطة خاص به.

وتحيط السرية بهذه العناصر، التي يتم تجهيزها بأحدث الأسلحة والآليات، ويرتدي أفرادها الخوذات والأقنعة التي تخفي وجوههم. ويتلقى بعض هذه العناصر، وخاصة قياداتها دورات تدريبية في إسرائيل، في سياق برامج التبادل بين الدولتين، حيث يتم التركيز على المشاركة في الاستخبارات حول العمليات المضادة للإرهاب، واستخدام أفضل الأساليب الأمنية وضبط الحدود. وتقوم منظمات يهودية أمريكية، مثل منظمة مكافحة التشويه، بتنظيم الندوات والحلقات الدراسية لعناصر ضبط الحدود الأمريكيين في إسرائيل.

ولذلك لم يكن من المستغرب أن يستخدم حراس الحدود في شوارع المدن الأمريكية التي انتشروا فيها، الأساليب القاسية والقمعية التي يستخدمها جيش الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية. وفي الأيام الماضية بدت شوارع مدينة منيابولس، التي سيطر عليها آلاف الحراس المسلحين والملثمين، وكأنها تحت احتلال أجنبي، حيث لا يتردد الحراس برّش المواد الكيمائية في أوجه المتظاهرين، وتفريقهم بالقوة، أو اقتحام منازلهم شاهرين أسلحتهم، ودون الحصول مسبقاً على أوامر قضائية تسمح لهم بتفتيش المنازل، وفقاً للقانون.

عندما قتل عناصر الحرس الوطني الطلاب الاربعة في جامعة كينت قبل 56 سنة، لم تكن هناك شبكة انترنت أو هواتف جوالة مزودة بكاميرات دقيقة، أو أياً من وسائل الاتصال الاجتماعي التي تستخدم اليوم. والصورة الأكثر شيوعاً لعنف جامعة كينت كانت لطالبة راكعة على الأرض قرب جثة طالب، وهي تصرخ بهلع. وأصبحت الصورة أيقونة تلخص الحالة الكارثية التي كانت تمر بها الولايات المتحدة آنذاك.

في السابع من شهر يناير/كانون الثاني، شاهد الملايين من الأمريكيين عشرات من مقاطع الفيديو لعنصر من حراس الحدود، وهو يطلق الرصاص على رينيه نيكول غود (37 سنة، ووالدة لثلاثة أطفال)، وهي تحاول أن تقود سيارتها بعيداً عن الحراس الذين طالبوها بالنزول منها. أصيبت رينيه غود بثلاثة رصاصات قتلتها فوراً.

وفي الرابع والعشرين من يناير/كانون الثاني، أطلق عنصرين من حراس الحدود عشرة رصاصات قتلت أليكس بريتي (37 سنة، ويعمل كممرض في مستشفى تابع لوزارة شؤون المحاربين القدامى)، الذي كان يصور الحراس وهم يضربون المتظاهرين، وأمسكوا به بالقوة حين حاول مساعدة امرأة رماها أحد الحراس بقوة على الأرض. وخلال ثوان نزع أحد الحراس مسدساً (مرخصاً) كان في جيب بريتي، وتبع ذلك قتله بدم بارد. جميع مقاطع الفيديو أظهرت أن بريتي لم يشهر مسدسه، ولم يعتد على أي من الحراس.

وعقب مقتل رينيه نيكول غود وأليكس بريتي، قامت إدارة ترامب، ممثلة بوزيرة الأمن الوطني كريستي نوم والمسؤول عن عمليات الحراس في مينيابوليس غريغوري بوفينو ومستشار ترامب في مجلس الأمن القومي ستيفن ميلر، وقبل إجراء أي تحقيق، وقبل أن تجف دماء الضحيتين بخلق سردية كاذبة للتغطية على حقيقة ما شاهده الملايين، واتهموا الضحيتين بأنهما “ارهابيين محليين”، وهددا أرواح حراس الحدود، الذين اضطروا لاستخدام مسدساتهم لحماية أنفسهم.

بعد مقتل أليكس بريتي، ادعت كريستي نوم أنه كان شاهراً مسدسه، وكان يهدف إلى قتل الحراس. المسؤول عن الحراس غريغوري بوفينو، اتهم بريتي بأنه جاء إلى مكان الحادث لارتكاب “مجزرة” ضد حراس الحدود. أما ستيفن ميلر فقد لجأ إلى وسائل الاتصال الاجتماعي لوصف بريتي بBنه “سفاح”.

التغطية الرسمية على حقيقة ما جرى، واسراع المسؤولين إلى تلفيق الأحداث، أثارت الاحتجاجات والتظاهرات في مدن أمريكية عديدة، وأرغمت بعض المشرعين الجمهوريين في الكونغرس إلى المطالبة بإجراء تحقيق مستقل (إدارة ترامب رفضت في البداية اجراء تحقيق في مقتل رينيه غود)، ومطالبة الرئيس ترامب بطرد الوزيرة كريستي نوم.

في مواجهة المضاعفات السلبية السياسية للعنف الرسمي غير المبرر في مينيابوليس، وفي أعقاب ارتفاع حدة  الغضب الشعبي، ومطالبة المسؤولين في ولاية مينيسوتا بسحب عناصر حراس الحدود، اضطر الرئيس ترامب إلى  التحرك لاحتواء الأزمة، التي ساهمت في انحسار في شعبيته وفقاً لاستطلاعات الرأي المختلفة، وكان أخرها استطلاع لصحيفة نيويورك تايمز، التي أكدت أن أكثرية من الأمريكيين 61 بالمئة تعترض على ممارسات حراس الحدود في المدن الأمريكية، وأن 58 بالمئة لا يوافقون على معالجته لأزمة الهجرة، وإن أيدت هذه الأكثرية إبقاء الحدود الجنوبية مع المكسيك مغلقة في وجه المهاجرين غير الموثقين. وأرسل ترامب المسؤول الأول عن ضبط الحدود توم هومان إلى مينيابوليس للإشراف على التحقيق، وعلى عمل حراس الحدود، بعد أن قرر سحب المسؤول المباشر عن العملية غريغوري بوفينو، المعروف بتشدده، ومبالغاته. وبعد أن رفض الرئيس ترامب لأسابيع أن يتحدث مع حاكم مينيسوتا ورئيس بلدية مينيابوليس، بعد لومهما على العنف، تراجع عن موقفه وتحدث معهما، وقال إنه يمكن أن يخفف من عدد حراس الحدود، وهو مطلب أساسي لسلطات الولاية.

هذا التراجع البسيط من قبل ترامب لا ينف مسؤوليته عن الفوضى والعنف في مينيابوليس، وغيرها من المدن الأمريكية، لأن مواقفه من الهجرة والمهاجرين، وخاصة المهاجرين من عالم الجنوب، اتسم بالعنصرية والتشدد والمبالغات، واستعداده لاستفزاز الأمريكيين الذين لا يشاركونه في مواقفه المتعلقة بالهجرة والمهاجرين. ومن الصعب، إن لم يكن من المستحيل، أن يغير ترامب من مواقفه.

مقتل رينيه غود وأليكس بريتي يمثل لحظة مفصلية لترامب، ويمكن أن يشجع مشرعين جمهوريين للتعاون مع الديموقراطيين في المطالبة بطرد أو محاكمة الوزيرة كريستي نوم، خاصة وأن مضاعفات عنف مينيابوليس ستبقى في مخيلة الأمريكيين مع اقتراب موعد الانتخابات النصفية في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.

وكما حدث بعد مقتل طلاب جامعة كينت، فإن المزاج الشعبي العام قاتم، حيث يرى الكثير من الأمريكيين أن البلاد تسير نحو أزمة سياسية خطيرة. الرئيس ترامب الذي لا يتصرف أو يتحدث كغيره من الرؤساء الأمريكيين قد اتخذ قرارات انقلابية جذرية وسلبية غيرت من طبيعة اللغة السياسية في البلاد، وطالت جميع أوجه الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية في المجتمع الأمريكي، وخلقت شروخات عميقة تتطلب زمنا طويلا لتخطيها.

هذا المناخ الداكن الذي تسبب به ترامب، خلق مشاعر خوف وانعدام يقين لم تكن موجودة قبل حقبة حكمه. وهناك شكوك بقدرة البلاد، حتى بعد رحيله عن السلطة، على انقاذ وصيانة المؤسسات والأعراف الديموقراطية في البلاد، أو إصلاح علاقات الولايات المتحدة الدولية. وفي ظل هذا المزاج المتشائم يتساءل الكثير من الأمريكيين عن معنى أن يكون المرء مواطناً أمريكياً في هذه اللحظة الحرجة التي تمر بها البلاد والعالم.

The post ترامب والمزاج الأمريكي القاتم appeared first on AGSI.

]]>
35159
ترامب يقوض النظام العالمي الذي بنته الولايات المتحدة https://agsi.org/ar/analysis/trump-is-shatering-the-order-that-u-s-built-arabic/ Thu, 15 Jan 2026 21:46:18 +0000 https://agsi.org/?post_type=analysis&p=35078 النظام العالمي، كما نعرفه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، مقبل على اضطرابات خطيرة، وتغييرات قاتمة من المستحيل التحكم بها.

The post ترامب يقوض النظام العالمي الذي بنته الولايات المتحدة appeared first on AGSI.

]]>
يقول المؤرخ الإغريقي ثوسيديديس في كتابه تاريخ الحرب البيلوبونيسية:  “القوي يفعل ما يشاء، والضعيف يتحمل ما يُفرض عليه”.     

في النصف الأول من الشهر الجاري، أطاح الرئيس ترامب برئيس فنزويلا نيكولاس مادورو، واختطافه إلى سجن أميركي، وتعهد “بإدارة” البلاد واحتياطها النفطي الهائل، ولحق ذلك بتوجيه تهديدات سافرة وفظة إلى المكسيك وكولومبيا وكوبا، وحشد القوات البحرية والجوية لضرب إيران، وأحيا إصراره على تنفيذ طموحاته التوسعية بالاستيلاء على جزيرة غرينلاند التي تملكها مملكة الدانمارك. ومنذ بداية ولايته الثانية، بدأ ترامب بتهديد النظام القانوني الدولي، من خلال التهديد “باسترداد” قناة بنما، وضم كندا وتحويلها إلى الولاية الواحد والخمسين للولايات المتحدة، والسيطرة على قطاع غزة وإدارته، إضافة إلى أوامره بشنّ هجمات ضد دول في آسيا وأفريقيا. كل هذه الأحداث تشير إلى أن النظام العالمي كما نعرفه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، مقبل على اضطرابات خطيرة، وتغييرات قاتمة من المستحيل التحكم بها.

وبعد أربع  سنوات من الغزو الروسي لأوكرانيا، الذي قوض التوازن الاستراتيجي في القارة الأوروبية منذ القضاء على النازية والفاشية قبل ثمانين عاماً، وتهديدات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للدول الأوروبية الأخرى، يقوم الرئيس ترامب بإجراءاته العسكرية، واستخفافه بالقانون الدولي وانتقاداته اللاذعة ضد حلفاء واشنطن، وخاصة في أوروبا، بالتدمير التدريجي والمنظم  للنظام العالمي الذي بنته الولايات المتحدة وحلفائها على ركام الحرب العالمية الثانية والقائم على احترام القواعد والقوانين الدولية، التي عبرت عنها المؤسسات الدولية، مثل الأمم المتحدة، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ومنظمة الصحة العالمية، ولاحقاً المعاهدات التي تحرّم استخدام الأسلحة البيولوجية والكيميائية، وعلى احترام القيم الجديدة وفق الإعلان العالمي لحقوق الانسان.

ومع أن هذا النظام، الذي قادت الولايات المتحدة جهود بنائه وحتى تمويله، بصفتها الدولة الأقوى اقتصادياً وعسكرياً بعد الحرب، إضافة إلى تمويل مشروع مارشال لإعادة بناء القارة الأوروبية، لم يكن مثالياً، ولم يكن كافياً لوقف النزاعات الدولية، إلا أن المبادئ والأعراف التي بنيت عليها المؤسسات الجديدة، خلقت توازنات استراتيجية منعت على الأقل الحروب بين الدول الكبرى، وحققت أطول فتره من السلام في القارة الأوروبية، منذ ما كان يعرف باسم “عهد السلام الروماني”. خلال هذه الفترة، على الرغم من عدم مثاليتها، تم تحقيق إنجازات علمية وصحية وتقنية، استفادت منها جميع المجتمعات في العالم.

ودفعت الممارسات الفوضوية للرئيس ترامب، برئيس ألمانيا فرانك والتر ستاينماير إلى توجيه انتقاد لاذع للولايات المتحدة، وحض الدول الديموقراطية على “منع العالم من التحول إلى وكر للصّوص، بحيث يتمكن أي عديم للضمير أن يستولي على ما يريده، بحيث تتم معاملة مناطق ودول بكاملها وكأنها ملكية بضعة قوى كبرى”.

هذه المواقف العنجهية والتهديدات التلقائية، والمتناقضة أحياناً، مثل التخلي عن فرض السيطرة الأميركية على قطاع غزة وتحويله إلى “ريفييرا” على البحر المتوسط، أربكت قادة الدول الحليفة والمعادية معاً والخبراء في العلاقات الدولية، وفرضت على الحلفاء التملق أحياناً لترامب الذي لا يخف نرجسيته، أو الاستثمار المالي في مشاريعه ومشاريع عائلته، أو تكريمه علنا مثل دعوته للمرة الثانية للقيام بزيارة رسمية لبريطانيا. ويجد الحلفاء والخصوم أنفسهم، وهم يحاولون بصعوبة التأقلم ليس فقط مع مزاج ترامب، بل مع محاولاته تغيير الحقائق السياسية والجغرافية العالمية، واستعداده لاستخدام القوة، أو الأساليب غير التقليدية لحل النزاعات الدولية.

ظاهرة ترامب لا مثيل لها في تاريخ الجمهورية الأميركية التي ستحتفل هذه السنة بالذكرى المئتين والخمسين لتأسيسها. فهو لا يتصرف أو يتحدث كرئيس، ولا يؤمن بوجود شيء اسمه “تضارب المصالح”، وهذا يفسر استهتاره بالقوانين والقواعد التي تمنع المسؤولين الحكوميين من استغلال مناصبهم لجني الثروات، كما يرفض الالتزام بالقواعد والقوانين والأعراف الدولية، التي التزم بها أو بمعظمها، أكثرية الرؤساء الأميركيين الذين سبقوه. خلال مقابلة طويلة مع صحيفة نيويورك تايمز، سُئل ترامب إذا كانت هناك قيود على استخدامه للقوة في العالم، فأجاب، “نعم، هناك شيء واحد هو أخلاقي وضميري. هذا هو الشيء الوحيد الذي يمكن أن يوقفني. أنا لا أحتاج إلى القانون الدولي”. مستشار الرئيس ترامب ذو النفوذ الواسع، ستيفن ميلر، كان أكثر فظاظة من سيده، لخّص بكلمات قليلة رؤية ترامب للعالم، حين قال لشبكة سي إن إن” نحن نعيش في عالم تحكمه القوة والسلطة”.

تفرد الرئيس ترامب في ولايته الثانية باتخاذ القرارات الهامة في الداخل، وذلك على حساب تجاهل المؤسسات المساوية لسلطته التنفيذية، أي الكونغرس والمحكمة العليا، والسياسات الانقلابية التي اعتمدها في  الخارج، تدفع العالم تدريجياً إلى اعتماد سياسة المحاور ومناطق النفوذ، التي كانت تفرضها الدول الكبرى أو الإمبراطوريات في السابق حول محيطها الجغرافي، واللجوء إلى التنافس الشديد بين الدول الكبرى، وبسط سيطرتها بالترهيب أو القوة على مناطق نفوذها، وتجاهل القانون الدولي، والتصلب في الدفاع عن المصالح الوطنية الضيقة، وإحياء الشكوك والمخاوف من المهاجرين، ومن الأعراق والثقافات والأديان الاخرى.

طموحات ترامب الخارجية التي يقول أنه يمكن أن يطبقها بالقوة إذا اقتضى الأمر، وهذا ما رأيناه في ولايته الثانية، ورغبته بإحياء النفوذ الأميركي في أميركا اللاتينية وفق “مبدأ مونرو”، الذي فرضه الرئيس الأميركي الخامس جيمس مونرو، والمصمم لمنع الدول الأوروبية من التدخل في شؤون أميركا اللاتينية، والحرب التوسعية التي شنها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ضد أوكرانيا، وعدم وجود قوى أو مؤسسات دولية تمنع هذه الممارسات، تعني أنها سوابق ستستغلها قوى كبرى أخرى، مثل الصين التي تهدد دائما باحتلال تايوان، وبسط نفوذها في شرق آسيا، أو الهند التي تريد ضم ولاية كشمير إليها، إضافة إلى مطامع إسرائيل بضم الأراضي الفلسطينية المحتلة وأراضي سورية، وربما لبنانية، بالقوة إليها.

توقع الأميركيون والعالم أن يتصرف ترامب في ولايته الثانية بشكل متقلب وتلقائي وفوضوي، ولكن لم يتوقع أحد مدى واستعداد الرئيس الأميركي لتقويض الأسس التي بنيت عليها المؤسسات والقوانين الدولية في عالم ما بعد الحرب العالمية، وعدم تردده في زّج العالم في فوضى وخلق مشاعر الخوف والشكوك بصدقية الولايات المتحدة في أوساط الحلفاء، بمن فيهم الذين شاركوا في بعض حروبها في الثمانين سنة الماضية.

وفي الوقت الذي يقوم فيه الرئيس ترامب بتفكيك أسس وهياكل القوانين والأعراف الدولية، يواصل أيضا تفكيكه وإضعافه لقيم ومؤسسات الديموقراطية في الداخل، بما في ذلك انتهاك الدستور أو الالتفاف حوله وتجاهل قرارات القضاء، بما في ذلك توجيه الانتقادات والإهانات الشخصية للقضاة، ومواصلة ترهيب واستغلال مؤسسات المجتمع المدني من وسائل الاعلام وحتى الجامعات، واستخدام القوات المسلحة ونشرها في شوارع المدن والولايات، التي يقودها مسؤولون ديموقراطيون، بشكل مخالف للدستور، الذي يسمح فقط باستخدام القوات المسلحة في الحالات الطارئة مثل حصول عصيان مسلح، والتي أدت إلى قتل وجرح واعتقال مواطنين أميركيين، باسم تطهير البلاد من المهاجرين غير الموثقين، الذين لديهم سجل اجرامي.

لا أحد يعلم بيقين ما الذي سيعقب الإطاحة بالرئيس مادورو في فنزويلا، لأن ما حدث في كاراكاس لا يتعدى إزالة قمة الهرم فقط، ولكن الهرم بتسلطه وفساده لا يزال موجوداً. ترامب يريد أن يضع يده على أكبر احتياطي للنفط في العالم، وإن كان القطاع النفطي في فنزويلا قديم، وبحاجة إلى إعادة بناء شاملة، الأمر الذي لن تقوم به شركات النفط الأميركية إلا بعد تغييرات سياسية وأمنية جذرية في البلاد، عدا عن أن بناء هذا القطاع يتطلب عشرات المليارات من الدولارات، وسنوات عديدة، في دولة غير ديموقراطية، تنتشر فيها الميليشيات والتنظيمات المسلحة.

وبعد أن اقترب ترامب من إصدار الأوامر بضرب إيران عسكرياً، أو من خلال العمليات السرية التي تشمل اغتيال قيادات عسكرية، أو الوسائل الإلكترونية، لمعاقبة النظام على قمعه الدموي للاحتجاجات، التي عمت البلاد منذ نهاية الشهر الماضي، ألمح الرئيس ترامب مؤخراً إلى أن العقاب العسكري، قد تم تعليقه في الوقت الحالي، وإن لا يزال وارداً، ونسب إلى مصادر إيرانية مطلعة قولها، إن “أعمال التقتيل قد توقفت، وأنه لا توجد هناك خطط لاستئناف الإعدامات”. ووفق منظمات حقوق الإنسان في إيران وفي الغرب، زاد عدد القتلى المدنيين الذين سقطوا منذ بدء الاحتجاجات عن أكثر من ثلاثة آلاف شخص.

وكان ترامب قد أوحى قبل أيام أنه يميل إلى معاقبة النظام الإيراني إذا واصل قمعه الدموي للمتظاهرين، حين حض “الوطنيين الإيرانيين” على مواصلة احتجاجاتهم، واحتلال المراكز الحكومية إذا أمكن، واعداً المتظاهرين بأن المساعدة في الطريق إليهم.

وليس من الواضح ما إذا كان ترامب يبحث عن وسيلة لتبرير عدم تنفيذ تهديداته، أو أنه سينفذها لاحقاً، ولكن التقييم السائد في أوساط المسؤولين الحكوميين والخبراء في مراكز الأبحاث، هو أن النظام الإسلامي في إيران، بعد النكسة العسكرية التي تعرض لها على يد إسرائيل، والأزمة الاقتصادية الخانقة التي لا يستطيع الخروج منها بسرعة، يواجه الآن أكبر تهديد له منذ صوله إلى السلطة قبل حوالي نصف قرن.

ممارسات ترامب الخارجية، واستخفافه بالقوانين الدولية، واستخدامه للترهيب والعنف حتى ضد الحلفاء القدامى، كما يبدو من مواقفه العدائية والتوسعية تجاه جزيرة غرينلاند، وميله إلى فرض إرادته على عالم يتخوف من تحول الولايات المتحدة، كما قال النائب الجمهوري آندي أوغلز إلى الدولة “المفترسة والمسيطرة في جميع المناطق في العالم.”

الرئيس ترامب اليوم بممارساته “المفترسة” يقوم بتقويض النظام العالمي الذي بناه رؤساء أميركيين من الحزبين الجمهوري والديموقراطي على مدى ثمانين عاماً، واستخدموه لصيانة وحماية وتطوير الولايات المتحدة، وتحويلها إلى دولة عظمى، قبل تعرضها لتسونامي اسمه دونالد ترامب.

The post ترامب يقوض النظام العالمي الذي بنته الولايات المتحدة appeared first on AGSI.

]]>
35078
ترامب بين شبح أبستين وقاعدته https://agsi.org/ar/analysis/trump-haunted-by-epsteins-ghost-and-his-base-arabic/ Mon, 05 Jan 2026 14:29:00 +0000 https://agsi.org/?post_type=analysis&p=35015 بين المشاكل الداخلية والانقسام الجمهوري، هل يخسر ترامب قاعدته الشعبية التي أبقته في الصدارة؟

The post ترامب بين شبح أبستين وقاعدته appeared first on AGSI.

]]>
يجد الرئيس دونالد ترامب نفسه مع نهاية سنته الأولى في البيت الأبيض محاصراً وفي موقع دفاعي بسبب علاقته القديمة والمتشعبة بالمستثمر المالي جيفري أبستين، المتهم بالاعتداء على القاصرات، والذي قيل إنه انتحر في سجنه قبل ست سنوات، واستمرار معدلات التضخم، واستمرار توسع الهوة الاقتصادية بين طبقات المجتمع الأميركي، وذلك على خلفية انحسار شعبيته، ليس فقط في أوساط الناخبين الديموقراطيين والمستقلين، بل في أوساط قاعدته الشعبية المتشددة، التي ترى فيه المخلص الوحيد لمكانة ونفوذ وازدهار   الولايات المتحدة. بعض رموز هذه القاعدة، والمؤثرين فيها، بدأوا ينتقدون ترامب علناً لمعارضته الأولية للكشف عن مضمون الملفات القضائية الحكومية حول جرائم أبستين، إضافة إلى انتقاد سياسات ترامب المتعلقة بالرسوم الجمركية، وازدياد كلفة العناية الصحية، وخاصة لذوي الدخل المحدود.

تصرف الرئيس ترامب منذ وصوله إلى البيت الأبيض، وكأنه يتمتع بانتداب شعبي، ويملك صلاحيات رئاسية تعطيه سلطات شبه مطلقة. وسارع ترامب عبر قراراته التنفيذية العديدة إلى فرض ارادته على المؤسسات السياسية بما في ذلك تحييد الكونغرس الذي ينتمي إلى حزبه، والتشدد في تنفيذ قوانين الهجرة وترحيل مئات الآلاف من المهاجرين، بعد حرمانهم من أبسط الحقوق المدنية والقانونية. وساهمت رسومه الجمركية في إثارة حرب تجارية دولية، دون التفريق بين الخصوم والحلفاء، وتبني الحجج والمواقف الروسية في الحرب ضد أوكرانيا، الأمر الذي أوصله إلى انتقاد وتأنيب الرئيس الأوكراني فلودومير زيلينسكي علناً في البيت الأبيض. قبل نهاية السنة هاجمت القوات الأميركية أهدافاً في إيران وسوريا واليمن ونيجيريا وقرب سواحل فنزويلا. داخلياً، أدى تدخل ترامب الفظ وغير القانوني في ترهيب وسائل الاعلام إلى ردود فعل شعبية سلبية للغاية، كما عاقب كبريات الجامعات الأميركية إذا لم تنفذ ما يريده، وهاجم القضاء الأميركي المستقل حين حاول ردعه، ما عزز الانطباع عنه بأنه حاكم متسلط لا يؤمن بتساوي السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية.

ولكن انشغال ترامب بالقضايا الخارجية على حساب معالجة غلاء المعيشة، والمضاعفات السلبية الأولية للرسوم الجمركية على المستهلك الأميركي، والتخلي عن وعده خلال المعركة الانتخابية في الكشف عن ملفات جيفري أبستين، ثم هجماته القاسية على الجمهوريين في الكونغرس لوقوفهم مع الديموقراطيين بشأن الكشف الكامل عن السجل الإجرامي لأبستين وغيره من المشاهير والأثرياء، الذين يعتقد أن بعضهم شارك في جرائم أبستين، إلى تعرض ترامب للانتقادات والشكوك من قبل بعض حلفائه القدامى في الكونغرس وخارجه. ولا تزال القاعدة الشعبية لترامب، التي تدرك عمق التناقضات الذي استخدمها الرئيس لوصف علاقته المريبة بأبستين، تُصر على الكشف الكامل عن محتويات ملفات المستثمر المالي.

وأثبتت ملفات أبستين التي كشفت عنها وزارة العدل، أن رواية ترامب عن صداقته القديمة بأبستين حافلة بالأكاذيب والتستر على الحقيقة. وعلى سبيل المثال نفى ترامب في بداية السنة أن يكون قد سافر على طائرة أبستين، ولكن الوثائق أثبتت أنه فعل ذلك ثماني مرات على الأقل. وإحدى هذه الرحلات شملت أبستين وترامب وحدهما برفقة شابة لا يزيد عمرها عن عشرين سنة. وكان المسؤولون في إدارة ترامب قد أكدوا مراراً أنه لا يوجد هناك قائمة بأسماء الأشخاص المتورطين مع أبستين، ولكن الوثائق الجديدة تشير إلى عشرة متواطئين لم يكشف عن أسمائهم.

حتى الآن، لم يتم الكشف عن أي وثائق، أو شهادات من المعنيين بانتهاكات أبستين، تُبين أن ترامب كان متورطاً في جرائم أبستين، على الرغم من أن العلاقات بينهما كانت منحصرة بالنساء والجنس، وميل الرجلين إلى معاشرة الشابات. وفي السابق واجه ترامب عشرات التهم من نساء قالوا فيها أنه تحرش بهن، أو حتى اغتصبهن. ولكن، حتى في غياب الأدلة الدامغة حول تورط ترامب في جرائم أبستين، إلا أن ما كشف عن العلاقة التي كانت حميمة بينهما لحوالي خمسة عشرة عاماً، قد أحرج ترامب وأرغمه على الدفاع عن نفسه وعن مواقفه القديمة وثنائه الشخصي على أبستين، في الوقت الذي يسعى فيه ترامب إلى تنفيذ سياساته الجذرية لوقف لهجرة من “العالم الجنوبي” إلى الولايات المتحدة، والمبالغة بإنجازاته الديبلوماسية التي أوقفت ثمانية حروب على حد قوله، في سعيه العلني للحصول على جائزة نوبل للسلام.

وأظهرت استطلاعات الرأي المختلفة في الأسابيع الماضية، أن قاعدة ترامب الشعبية، لا تزال معه بأكثريتها، ولكن نسبة دعمه قد انحسرت، مع بروز شروخ سياسية واقتصادية وثقافية واضحة في القاعدة برزت إلى العلن بشكل حاد وسافر بين قادة التيارات المختلفة، ودفعت ببعض أعضاء الكونغرس الجمهوريين، وأبرزهم مارجوري تايلور غرين، التي برزت في السنوات الماضية كإحدى أبرز أعضاء مجلس النواب في الدفاع الحماسي عن ترامب، إلى الابتعاد عن الرئيس أو انتقاده علناً. ومع أن ترامب يحاول منذ أن تدهورت علاقاته بأبستين بسنوات إلى إعادة كتابة تاريخ هذه العلاقة، والتخفيف من أهمية صداقته القديمة مع المستثمر المالي، إلا أن شبح أبستين لا يزال يقض مضجعه من الغيب.

واضافة إلى الخلاف حول أبستين، هناك انقسام في قاعدة ترامب حول فشله في معالجة غلاء المعيشة، كما أن جزءاً هاماً من مؤيدي الرئيس يلومون الرسوم الجمركية التي فرضها على مختلف المستوردات، والتي يراها معظم الخبراء الماليين ومعظم المستهلكين وكأنها ضرائب غير مباشرة.

ووصلت هذه الشروخ إلى القضايا الخارجية، حيث تُبين استطلاعات الرأي، أن ربع الجمهوريين الشباب يؤيدون إسرائيل، بينما ينظر إليها سلبياً أكثر من خمسين بالمئة منهم. وساهمت حرب إسرائيل ضد سكان غزة، وقتل حوالي سبعين ألف فلسطيني، والدمار الهائل الذي ألحقه الغزو الإسرائيلي بالبنية التحتية والأحياء المدنية، إلى انتقادات قوية من معظم الفئات الاجتماعية الأميركية، وخاصة الشباب والشابات، وهذا يشمل نسبة هامة من اليهود الأميركيين. وكانت مارجوري تايلور غرين أول عضوة من الحزب الجمهوري في الكونغرس تتهم إسرائيل بشن حرب إبادة ضد الفلسطينيين، بينما اتهم النائب الجمهوري توماس ماسي إسرائيل بشن حرب غير متكافئة في غزة. وهناك شخصيات محافظة كانت متحالفة مع ترامب، مثل المعلق تاكر كارلسون ومستشار ترامب السابق ستيف بانون، يعترضون بقوة على دعم إسرائيل ويعارضون التدخل الأميركي العسكري ضد إيران، ويعتبرون ذلك تخلياً عن شعار “أميركا أولا”.

هناك فرق شاسع بين مكانة ترامب في بداية السنة، ومكانته المضطربة في نهايتها. وللمرة الأولى، يجد ترامب نفسه في مواجهة علنية مع حلفاء قدامى ابتعدوا عنه، بمن فيهم أعضاء في الكونغرس، في الوقت الذي يعمل فيه بقوة على منع الديموقراطيين من الفوز بالانتخابات النصفية في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل. فوز المرشحين الديموقراطيين في جميع الانتخابات المحلية التي جرت في الأسابيع الماضية، وخاصة حاكمية ولايتي فيرجينيا ونيوجرسي، واستمرار المضاعفات السلبية لملفات أبستين، كلها عوامل ساهمت في تعميق مشاعر القلق في أوساط الجمهوريين، وفي زيادة فرص الديموقراطيين من العودة إلى السيطرة على مجلس النواب على الاقل في الانتخابات النصفية، الأمر الذي سيعطيهم الفرصة على التصدي لتسونامي ترامب.

The post ترامب بين شبح أبستين وقاعدته appeared first on AGSI.

]]>
35015
2025 سنة مفصلية بامتياز https://agsi.org/ar/analysis/2025-a-pivotal-year-arabic/ Fri, 19 Dec 2025 15:59:36 +0000 https://agsi.org/?post_type=analysis&p=34978 جاءت سنة 2025 لتؤكد من جديد أن أي تسونامي أميركي، سياسي أو اقتصادي، لا يمتحن فقط الولايات المتحدة، بل يحمل فوضاه إلى أقاصي الأرض.

The post 2025 سنة مفصلية بامتياز appeared first on AGSI.

]]>
التغييرات العالمية التي جلبتها سنة 2025 في السياسة والاقتصاد والذكاء الاصطناعي، سوف تخيم على العالم لسنوات طويلة. هناك سنوات تتسم بالاضطرابات والحروب والأزمات، وسنوات تتميز بهدوء نسبي وكأن العالم في أجازة. ثم جاءت سنة 2025 لتؤكد من جديد أن أي تسونامي أميركي، سياسي أو اقتصادي، لا يمتحن فقط الولايات المتحدة، بل يحمل فوضاه إلى أقاصي الأرض.

في اليوم الأول لوصوله إلى البيت الأبيض، وقع الرئيس ترامب على 20 قراراً تنفيذياً في سياق تطبيق  شعاره “أميركا أولا “. هذه القرارات كانت مصممة لإحداث تغييرات جذرية في برامج الهجرة والطاقة، واستعادة الفعالية الحكومية، والعفو عن أنصاره الذين اقتحموا مبنى الكابيتول في يناير 2021 بعد خسارته للانتخابات الرئاسية في 2020، التي لا يزال يدعي أنه فاز بها.

مع اقتراب 2025 من نهايتها، وصل عدد قرارات ترامب التنفيذية إلى 220 قراراً، حصل بموجبها على صلاحيات داخلية وخارجية غير مسبوقة، لم يتمتع بها أي رئيس أميركي آخر خلال 250 سنة من عمر الجمهورية، التي أسسها سياسيون حذروا دائماً من إعطاء الرئيس الأميركي صلاحيات جذرية على حساب المؤسسة التشريعية (الكونغرس) والقضائية (المحكمة العليا). جمع ترامب هذه الصلاحيات الواسعة خلال أقل من سنة، وساعده في ذلك كونغرس جمهوري مطّواع، يذكّر ببرلمانات الدول الأوتوقراطية، التي توافق شكلياً على قرارات الحاكم، وكذلك محكمة عليا أكثريتها من القضاة المحافظين، الذين نادراً ما يشككون بقرارات الرئيس. أدى شعار أو برنامج “أميركا أولا” بسرعة إلى انسحاب الولايات المتحدة من اتفاقية باريس للمناخ ومنظمة الصحة العالمية.

عاد الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض مع وزراء ومساعدين يدينون له بولاء شبه مطلق، لكي يحقق ما يريده في ولايته الثانية دون أي قيود داخلية تُفرض عليه، كما حدث في ولايته الأولى. أراد ترامب الانتقام من خصومه السياسيين، ولتحقيق ذلك استخدم وزارة العدل لتعقبهم بتهم مبهمة وغير قانونية. وتجاهل ترامب الحزب الديموقراطي وقياداته، ودخل في مواجهات سياسية وقضائية مع وسائل الإعلام والمحاكم ومكاتب المحاماة الكبيرة وكبريات الجامعات، في محاولة لا مثيل لها للتأثير على المجتمع المدني بطرق جذرية لم يلجأ اليها أي رئيس سابق.

معركة ترامب الشرسة مع وسائل الإعلام وتقييده لحرية التعبير، تعتبر الأخطر والأشمل في التاريخ الحديث للجمهورية الأميركية: أوقف ترامب التمويل الفيدرالي للبرامج التلفزيونية والإذاعية العامة؛ وتدخل لحرمان وسائل الإعلام من الرخص القانونية، التي تسمح لها بالعمل، لمجرد استيائه من مضمون تغطيتها؛ ورفع شكاوى قضائية شخصية ضد شبكة التلفزيون سي بي أس، وصحيفتي ووال ستريت جورنال والنيويورك تايمز، وحصل على الملايين من الدولارات عندما تمت تسوية هذه الدعاوى.

وفي سياق الحرب التي أعلنها ترامب وحكومته ضد المهاجرين غير الموثقين، وحتى الموثقين، زاد ترامب من عديد أفراد الحرس الحدودي، ونشر هذه العناصر إضافة لعناصر الحرس الوطني، وحتى مشاة البحرية (المارينز) في شوارع المدن الرئيسية، مثل واشنطن العاصمة وشيكاغو ولوس انجليس وممفيس وغيرها، وفي معظم الحالات ضد رغبة حكام الولايات أو رؤساء البلديات. وقامت عناصر الحرس الحدودي بغارات استخدمت فيها القوة ضد المهاجرين أمام المتاجر والمحلات الكبيرة، وضد المواطنين الذين يتظاهرون ضد هذه الغارات. وفي هذا السياق شن ترامب انتقادات عنصرية ضد دول أفريقية، مثل الصومال وغيرها، وقال قبل أيام علناً ما قاله سراً في ولايته الاولى، من أنه يرغب برؤية مهاجرين من النروج والسويد والدانمارك، بدلاً من دول “قذرة” من العالم الجنوبي. وفي أعقاب اعتقال مهاجر أفغاني، قتل عنصرين شابين من عناصر الحرس الوطني قرب البيت الأبيض، رفع ترامب عدد الدول التي كان قد فرض حظر دخول كلي أو جزئي على مواطنيها من 19 إلى 39 دولة معظمها أفريقية. وتشمل القائمة الآن سوريا واليمن والسودان وموريتانيا وليبيا، إضافة إلى إيران. وفي أعقاب الهجوم الإرهابي الذي قام به  شخصين مسلمين ضد المدنيين اليهود في أستراليا وقتل 15 منهم، تعمقت المشاعر المعادية للمسلمين في الولايات المتحدة، التي يعتقد أن لغة ترامب العدائية ضد المسلمين والمهاجرين من العالم الجنوبي قد اججتها أكثر، مما دفع بعضو مجلس النواب الجمهوري راندي فاين وعضو مجلس الشيوخ الجمهوري تومي تابيرفيل إلى الدعوة العلنية إلى ترحيل وطرد جميع المسلمين من الولايات المتحدة بغض النظر عن وضعهم القانوني، وهذا يعني المهاجر الشرعي أو غير الموثق، وحتى المواطن المسلم الذي يحمل الجنسية الأميركية.

وقام ترامب خلال أقل من سنة بحملة ترهيب ضد كبريات الجامعات، وحاول التدخل في برامجها التعليمية، والتهديد بوقف المساعدات الفيدرالية لمؤسسات التعليم العالي لتمويل الأبحاث العلمية والطبية فيها. كما هاجم مكاتب المحاماة الكبرى لمجرد أنها تمثل شخصيات سياسية يعاديها ترامب. كما قام ترامب بتسمية أغنى رجل في العالم أيلون ماسك، للإشراف على “تطهير” مؤسسات الدولة من الموظفين غير الأساسيين، الأمر الذي أدى إلى طرد آلاف الموظفين الفيدراليين، وإلغاء وزارة التعليم، وإلغاء الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، التي وصلت ميزانيتها في 2024 إلى 35 مليار دولار لتمويل برامج المساعدات التعليمية والغذائية، التي كانت تصل إلى الملايين في الدول النامية.

حملة ترامب ضد حريات التعبير واستقلالية مؤسسات المجتمع المدني، خلقت حالة من الخوف والقلق في الأوساط السياسية والإعلامية والقضائية، بعد أن قام بشكل سافر في استخدام وزارة العدل ومكتب التحقيقات الفيدرالي (الإف بي آي) لتعقب خصومه السياسيين.

في أعقاب الهجمات الجوية التي استهدفت عشرات الزوارق في البحر الكاريبي قرب فنزويلا، والتي تدعي حكومة ترامب أنها تحمل المخدرات (دون تقديم الأدلة على ذلك)، قام عدد من أعضاء الكونغرس، من الذين خدموا في القوات المسلحة أو اجهزة الاستخبارات بنشر شريط تلفزيوني موجه لأفراد القوات المسلحة يذكرونهم فيه أن القوانين تمنعهم من تنفيذ أي أوامر عسكرية غير قانونية. وكان رد ترامب سريعاً وانفعالياً، واتهم أعضاء الكونغرس “بالخيانة”، قائلا إن سلوكهم ” مثير للفتنة، ويعاقب بالموت”.

أعلن ترامب في الثاني من أبريل/نيسان الماضي “يوم التحرير” أو “اعلان الاستقلال الاقتصادي” عن العالم، مستخدماً هذه الفرصة لفرض رسوم جمركية بنسبة 10 بالمئة على جميع واردات الولايات المتحدة، ثم رفع هذه النسبة إلى مستويات غير مسبوقة ضد دول مثل الصين، وحتى بعض حلفاء واشنطن التقليديين مثل كندا والاتحاد الأوروبي، الأمر الذي خلق اضطرابات ومخاوف من حدوث حرب تجارية دولية، وانقسام العالم إلى كتل اقتصادية متناحرة. وفقاً للقوانين الأميركية فإن الكونغرس، وليس الرئيس، هو الذي يفرض الرسوم الجمركية. واعتبر معظم الخبراء في الشؤون الاقتصادية أن الرسوم الجمركية هي في الواقع ضرائب غير مباشرة يدفعها المستهلك الأميركي. وبالفعل هذا ما شعر به المستهلك الأميركي.

كان ترامب يُعرف، خاصة في ولايته الأولى أنه الرئيس الذي يرفض زج الولايات المتحدة في
“حروب لا نهاية لها” مثل أفغانستان والعراق. ولكن ترامب في ولايته الثانية لم يتردد في استخدام القوة العسكرية أو التهديد العلني بها. وفي الأشهر الماضية، شاهد الأميركيون صوراً لعشرات الزوارق التي دمرها سلاح الجو الأميركي خارج المياه الإقليمية لفنزويلا، بتهمة تعقب وردع الاتجار بالمخدرات وتهريبها إلى الولايات المتحدة، الأمر الذي أدى إلى مقتل حوالي مئة شخص. ويعتقد الكثيرون من المراقبين وتصريحات المسؤولين الأميركيين، وكانت آخرهم مديرة البيت الأبيض سوزي وايلز، من أن الهدف الرئيسي غير المعلن رسمياً لسياسة ترامب تجاه فنزويلا هو الاطاحة بنظام الرئيس نيكولاس مادورو. ونشر ترامب آلاف من أفراد المارينز قبالة شواطئ فنزويلا، إضافة إلى عشرات السفن الحربية، بما فيها أكبر حاملة طائرات في الترسانة الأميركية.

وللمرة الأولى، قامت الولايات المتحدة بالتدخل المباشر في الصراع بين إسرائيل وإيران، وفي يوليو/تموز الماضي، قصفت الطائرات الأميركية ثلاثة منشآت إيرانية نووية، وأنهى ترامب بذلك 12 يوماً من التراشق الصاروخي والغارات الجوية بين البلدين. ومع أن ترامب ادعى أن البرنامج النووي في إيران، إلا أن التقويمات التالية، أشارت إلى أن الغارة الأميركية أدت إلى تأخير البرنامج الإيراني لبضعة أشهر فقط. وسبق هذه المواجهة مع إيران، غارات وهجمات صاروخية، شنتها الولايات المتحدة ضد الميليشيات الحوثية في اليمن، التي كانت تعترض الملاحة الدولية في البحر الأحمر، وتقصف إسرائيل بالصواريخ تضامناً مع الفلسطينيين في حربهم مع إسرائيل في غزة.

وفي فبراير/شباط الماضي، وصل سلوك الرئيس ترامب ونائبه جي دي فانس إلى مستويات خيالية أو سريالية، حين نصبا كميناً في البيت الأبيض للرئيس الأوكراني فلودومير زيلينسكي، حيث كان من المفترض بحث المساعدات الأميركية لكييف، وسبل وقف الحرب المستمرة التي بدأتها موسكو، وتقترب من سنتها الرابعة. وتحول الحوار العلني إلى سجال شخصي وحاد وانفعالي، بعد أن اتهم ترامب وفانس الزائر الأوكراني بأنه جاحد، ولا يشكر الولايات المتحدة على مساعداتها. وبدا البيت الأبيض وكأنه تحول إلى مسرح عبثي، عندما بدأ ترامب وزيلينسكي بمقاطعة بعضهما البعض، وترامب يتحدث بحدة ويقول لزيلينسكي “ليس لديك أي أوراق”، وزيلينسكي يرد “نحن لا نلعب بالورق”. ثم أمر ترامب بإلغاء المؤتمر الصحفي المشترك، وإلغاء مأدبة الغذاء، وطلب من الوفد الأوكراني مغادرة البيت الأبيض.

خلال ولايته الأولى، أعرب ترامب في أكثر من مناسبة عن استيائه من حلف “الناتو”، وكان يلمح إلى الانسحاب منه، وكان يمتنع عن الالتزام بالدفاع عن أي عضو في الحلف يتعرض إلى هجوم خارجي، وفقاً لقوانين الحلف. وساهمت مواقف ترامب المتحفظة، وحتى العدائية، لبعض أعضاء الحلف، وعلاقاته الجيدة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إلى توسيع الهوة بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين، حيث فرض الحلف حوالي 80 عاماً من السلم في القارة الأوروبية، إلى أن خرقه الغزو الروسي لأوكرانيا في 2022.

ولكن علاقات ترامب وحكومته مع حلف “الناتو” استمرت في التدهور، حين كان ترامب يمتنع عن تنفيذ تحذيراته العلنية لبوتين، وكان يردد سردية بوتين لأسباب الحرب. وفي السنة الماضية، بدأ ترامب ونائبه فانس ببناء علاقات مباشرة مع القوى اليمينية التي تعارض الحكومات الأوروبية، أو تدعو للتقارب مع موسكو، في تدخل سافر في شؤونها الداخلية.

ومقابل الفتور أو التوتر الذي تمر فيه علاقات واشنطن مع دول الاتحاد الاوروبي (وكندا) في حقبة ترامب، نرى أن العلاقات بين دول أوتوقراطية مثل روسيا والصين وإيران وكوريا الشمالية وفنزويلا تزداد متانة، ويتمثل ذلك في مشاركة قوات من كوريا الشمالية في الحرب ضد أوكرانيا، والدعم العسكري، وخاصة الصواريخ والمسيرات التي توفرها إيران  لروسيا لإستخدامها ضد الشعب الأوكراني، والمساعدات المختلفة التي تقدمها الصين إلى روسيا.

قبل أسبوعين أصدر البيت الأبيض ما يسمى بالاستراتيجية الأمنية الوطنية، وهي وثيقة تصدرها كل حكومة جديدة، تتضمن أهداف وما يقلق الإدارة الجديدة في العالم. وتمثل استراتيجية ترامب تحولاً جذرياً وخطيراً عن الأهداف الأميركية التقليدية تجاه حلفاء واشنطن التقليديين في أوروبا، حيث تتهم الحكومات الأوروبية بتجاهل إرادة شعوبها عندما تدعم أوكرانيا في حربها ضد روسيا، وتتحدث بإيجابية عن التعاون مع القوى اليمينية في المجتمعات الأوروبية التي تشاركها في عدائها للهجرة، وترفع من الأهمية الاستراتيجية لدول أميركا اللاتينية، في نسخة معدلة من “مبدأ مونرو”، الرئيس الأميركي الخامس الذي منع الدول الأوروبية من التدخل في شؤون دول نصف الكرة الغربي. كما تقلل الوثيقة من أهمية منطقة الشرق الأوسط التي أشارت الوثيقة أنها لم تعد مهمة كما كانت في السابق، بعد أن تنوعت مصادر النفط والغاز وخاصة في الولايات المتحدة التي تعتبر أكبر منتج للنفط والغاز في العالم.

ولكن أخطر ما في الوثيقة هو النقد اللاذع والمباشر الذي توجهه إدارة ترامب إلى مستقبل أوروبا القاتم، بسبب استمرار الهجرة، وفقاً للوثيقة التي تدعي أنه خلال عقود قليلة بعض دول حلف الناتو سوف تتحول إلى دول أكثريتها من غير الأوربيين، الأمر الذي يعني أن القارة ستواجه ما أسمته الوثيقة “المحو الحضاري”. المفارقة، هي أنه بعد عقدين من الزمن، سوف يصبح الأميركيين من أصول أوروبية، أكبر أقلية في البلاد. لغة ترامب التحريضية ضد كل مهاجر غير أبيض، وادعائه الفعلي أنه المدافع الأول عن الحضارة الغربية (وهو موقف يشاركه فيه الرئيس بوتين)، يهدد السلم الاهلي في البلاد، ويعمق الهوة بين الولايات المتحدة وحلفائها التقليديين.

The post 2025 سنة مفصلية بامتياز appeared first on AGSI.

]]>
34978
ترامب يصعّد حربه ضد الهجرة والمهاجرين https://agsi.org/ar/analysis/trump-escalates-his-war-on-migrants-and-immigration-arabic/ Thu, 04 Dec 2025 21:29:21 +0000 https://agsi.org/?post_type=analysis&p=34899 بعد الهجوم على قوات الحرس الوطني في واشنطن العاصمة، استمر ترامب في تصعيد نهجه المتشدد ضد سياسات الهجرة والمهاجرين؛ تجميد منح اللجوء وإلغاء التأشيرات وسياسات عقابية جماعية.

The post ترامب يصعّد حربه ضد الهجرة والمهاجرين appeared first on AGSI.

]]>
منذ أن بدأ الرئيس دونالد ترامب حملته الانتخابية الأولي في 2015، أكد، بفظاظة وحدة، مسألة معارضته للهجرة وطلبات اللجوء السياسي من خارج القارة الأوروبية، وجعل هذه المعارضة مسألة مركزية له ولقاعدته الشعبية، ولم يخف رغبته بوقف الهجرة من “الجنوب العالمي”، وطرد ملايين المهاجرين غير الموثقين إلى بلدانهم الأصلية، أو حتى إلى دول أخرى لتضعهم في سجونها مقابل مساعدة مالية أميركية. ومنذ بداية ولايته الثانية، في يناير/كانون الثاني الماضي، اعتمد ترامب سياسة مثيرة للكثير من الجدل، وعرّض إدارته لتحديات قضائية، حين قرر نشر قوات الحرس الوطني، وحتى قوات مشاة البحرية (المارينز)، إضافة إلى عناصر حرس الحدود في شوارع كبريات المدن الأميركية، مثل شيكاغو ولوس انجلس وممفيس ونيو أورلينز وواشنطن العاصمة، بحجة محاربة الجريمة، التي يدعي أن معظم المسؤولين عنها هم من المهاجرين وأفراد عصابات المخدرات من دول أميركا اللاتينية، مثل فنزويلا وكولومبيا.

ويمنع القانون الأميركي نشر أفراد القوات المسلحة في الولايات الأميركية إلا في حالات نادرة للغاية، وبعد طلب حكام الولايات من الحكومة الفيدرالية، أو لقمع عصيان مدني كبير. عارض منتقدو الرئيس ترامب الكُثر، وخاصة المسؤولون الديموقراطيون الذين يديرون هذه المدن، هذه السياسية سياسياً وقانونياً، وحذروا من أنها قد تتسبب بحوادث عنف، وخاصة بعد قيام عناصر حرس الحدود، الذين يستخدمهم ترامب وكأنهم شرطة خاصة خاضعة له، بانتهاك الحقوق المدنية للمهاجرين غير الموثقين، وحتى انتهاك الحريات المدنية والسياسية لمئات المواطنين الأميركيين، الذين حصدتهم هجمات شرطة الحدود، وقبضت عليهم لاشتباهها بأنهم من المهاجرين بشكل غير شرعي.

أثار الهجوم الذي تعرض له عنصرين شابين من أفراد الحرس الوطني من ولاية ويست فيرجينا، والذي أدى إلى مقتل مجندة عمرها 20 سنة، وإصابة زميلها البالغ من العمر 24 سنة بجراح خطيرة على يد المسلح رحمن الله لكنوال الافغاني الأصل، رد فعل عنيف وغاضب من الرئيس ترامب، الذي استخدم الجريمة كذريعة لتصعيد سياساته المعادية للهجرة والمهاجرين. هذا التصعيد لم يعد يفرّق كثيراً بين المهاجرين الذي اخترقوا الحدود الأميركية بشكل غير شرعي، أو المهاجرين الذين تقدموا بطلبات رسمية لدخول الولايات المتحدة وطلب الجنسية الأميركية.

لجأ ترامب أولاً إلى تحميل مسؤولية الجريمة ليس فقط للشخص الذي ارتكبها، بل لجميع الأفغان، وأمر بإلغاء تأشيرات الدخول للأفغان في الخارج، ثم منع حملة التأشيرات من دخول البلاد، بما في ذلك الآلاف من الرجال والنساء الأفغان الذين تعاونوا مع القوات الأميركية لحوالي 20 سنة، كمترجمين، أو مقاتلين أو في أعمال الصيانة، والذي يؤدي بقائهم في أفغانستان إلى تهديد أرواحهم. كما أوقف ترامب النظر في طلبات اللجوء السياسي لجميع المهاجرين.

الهجوم الذي وقع قرب البيت الأبيض في وضح النهار صعق الأميركيين، وزاد من حدة الجدل الدائر في الأوساط السياسية والقانونية ومنظمات حقوق الإنسان حول قرارات ترامب الجذرية وغير المسبوقة ضد المهاجرين غير الموثقين، بغض النظر عن سجلاتهم القانونية، ومعظمهم ليس لهم أي سجل إجرامي، ومدى إقامتهم في البلاد، مثل ترحيلهم إلى أوطانهم الأصلية، أو إلى بلد ثالث، دون السماح لهم باللجوء إلى القانون.

كما أمر ترامب بمراجعة وضع جميع المهاجرين، الذين حصلوا على الإقامة الدائمة المعروفة باسم (غرين كارد) الذين ينتمون إلى 19 دولة فرض حظر دخول مواطنيها في شهر يونيو/حزيران الماضي، من بينها ليبيا والصومال والسودان واليمن، إضافة إلى إيران.

وتعهد الرئيس ترامب “بوقف الهجرة بشكل كامل من جميع دول العالم الثالث،” كما تعهد بوقف ما أسماه “الملايين الذين سمح لهم (الرئيس) بايدن بالدخول بشكل غير شرعي”. ووعد ترامب بترحيل أي شخص   ليس ذخراً للوطن، وطرد أي شخص أجنبي يشكل عبئاً على البلاد، “أو غير قادر على حب بلادنا،” أو تكون مواقفه “متضاربة مع الحضارة الغربية”.

وكعادته في توجيه اللوم إلى الآخرين حين ارتكابه خطأ، وضع ترامب اللوم على إدارة الرئيس بايدن، وقال انه لم يكن يسمح بدخول مرتكب الجريمة في واشنطن، الذي خدم في وحدة قتالية في أفغانستان، نظمتها وكالة الاستخبارات المركزية (السي آي أيه)، الأمر الذي لا يمكن تحقيقه إلا بعد خضوع المقاتل لتحقيقات استخباراتية شاملة في ماضيه. وتناسى ترامب أنه كان قد انتقد الرئيس السابق بايدن بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي والمكلف من كابول في 2021، لأنه لم يجلب مع القوات الأميركية المنسحبة، الأفغان الذين تعاونوا معها خلال أطول حرب خاضتها الولايات المتحدة.

مرتكب جريمة واشنطن حصل على تأشيرة دخول خلال ولاية بايدن، ولكنه حصل على اللجوء السياسي في أبريل/نيسان الماضي، أي خلال الولاية الثانية للرئيس ترامب. الأمر الذي يقوض ادعاءاته أن الأفغان يدخلون الولايات المتحدة دون التحقق من خلفياتهم، مع العلم أن فحص هذه الخلفيات يتم خلال جميع مراحل حصول اللاجئ الأفغاني على جميع أوراقه الأميركية الرسمية، وهذه العملية تشمل دخوله الأولي للبلاد، ثم طلبه للحصول على اللجوء السياسي، والحصول على الغرين كارد، وأخيراً طلب الحصول على الجنسية.

تعرض ترامب إلى الانتقاد من وسائل الإعلام، بمن فيها صحف محافظة مثل وال ستريت جورنال، التي حذرت أنه سيكون “من المشين إذا تحول هذا العمل الفردي إلى ذريعة لترحيل جميع الأفغان”. من البلاد. ورد ستيفن ميلر نائب مستشار الأمن القومي، وأحد أكثر المتحمسين للتخلص من المهاجرين، على هذه المخاوف بالقول “أنت لا تستورد الأفراد، أنت تستورد المجتمعات. ولا يحدث أي تحول سحري عندما تجتاز الدول الفاشلة الحدود. وعلى نطاق واسع، المهاجرين والمنحدرين منهم يقومون بإعادة خلق الظروف، وإرهاب أوطانهم المكسورة”. مثل هذه الادعاءات تبرر شيطنة الأخر وتهديده للحضارة (الغربية)، وتبرر العقاب الجماعي.

المفارقة هي أن هذه الممارسات التي تقوم بها إدارة ترامب، تخالف جوهر الحضارة الغربية وقيمها والدستور الأميركي، الذين يدعون أن أعمالهم مصممة لحماية هذه القيم، التي تشمل حرمة الفرد، وحق أي شخص أن يحكم عليه/عليها وفقا لجدارتهم الشخصية، وليس بسبب انتمائهم إلى أثنية معينة أو دين آخر أو تراث مختلف.

الهجوم الذي تعر ض له عنصري الحرس الوطني قرب البيت الأبيض، سمح لترامب بأن يكون ترامب دون أي محاولة لكي يبدو مثل غيره من السياسيين، الذين لا يقولون علناً كل ما في قلوبهم. وخلال انتقاداته القاسية ضد اللاجئين الأفغان، انتقل ترامب إلى توجيه الإهانات العنصرية إلى الجالية الصومالية في الولايات المتحدة، التي يهاجمها باستمرار بسبب أو دون سبب، وخلال جلسة متلفزة لحكومته، وصف ترامب بشراسة نافرة المهاجرين الصوماليين “بالقمامة”، في الوقت الذي تقوم فيه عناصر من حرس الحدود بملاحقة الصوماليين في منطقة مدينتي مينيابوليس وسانت بول في ولاية مينيسوتا. صحيح إن ترامب لا يخفي احتقاره للمهاجرين من أفريقيا، إلا أن هجومه ضد الصوماليين في الولايات المتحدة هذه المرة كان ساماً بامتياز.

وأضاف، “هولاء الناس لا يفعلون أي شيء غير الشكوى. وعندما يأتون من الجحيم لا يفعلون أي شيء غير التذمر، ونحن لا نريدهم أن يبقوا في بلادنا. دعهم يعودوا إلى المكان الذين أتوا منه وإصلاحه”. وقام نائب الرئيس جي دي فانس بالدق على الطاولة مشجعاً ترامب، ولحقه أعضاء حكومته بالتصفيق للرئيس. ووصف ترامب الصومال بأنها تنضح برائحة بشعة، ووصف عضوة مجلس النواب الديموقراطية إلهان عمر بأنها “زبالة، وأصدقائها زبالة، هؤلاء الناس لا يعملون”. واستغل ترامب ومساعديه جريمة احتيال قام بها عشرات المهاجرين الصوماليين في مينيسوتا، واختلسوا مئات الملايين من الدولارات خلال جائحة كورونا (بالتعاون مع مواطنين أميركيين) لتبرير هذه الإهانات، وتوجيهها إلى جميع المهاجرين.

وأدى قرار ترامب نشر قوات من الحرس الوطني وشرطة حماية الحدود، وعناصر من مشاة البحرية (المارينز) في شوارع مدن رئيسية، إلى وقوع اشتباكات بين قوات الأمن والسكان المحليين، الذين نظموا التظاهرات السلمية بمعظمها، على خلفية تحذيرات من السياسيين والحقوقيين بأن هذه الإجراءات ستؤدي إلى عنف خطير.

وأدعى ترامب أن القوات الفيدرالية سوف تساهم في التصدي لأعمال العنف في هذه المدن، متجاهلاً أن معدلات الجرائم العنيفة، في مدن مثل واشنطن وغيرها، قد انخفضت. كما أن حكام الولايات ورؤساء البلديات عارضوا نشر القوات الفيدرالية، ولجأوا إلى القضاء لوقفها. وبما أن الحرس الوطني غير مدرب على القيام بحفظ الأمن مثل الشرطة، انحصرت واجبات الحرس في واشنطن، بالقيام بنقل النفايات وتجميل المدينة، والتسكع في شوارع العاصمة، والتحدث مع المواطنين

وجاء في مذكرات داخلية وزعت على عناصر الحرس الوطني في الصيف الماضي أن قيادات الحرس حذرت من أن الجنود في شوارع واشنطن، “منتشرون في مناخ من الخطر المتصاعد،” ما يمكن أن يؤدي ببعض المتأثرين بالمنظمات الإرهابية الخارجية إلى اعتبار عناصر الحرس “كهدف سانح”. ولكن وزارة العدل وصفت هذه المخاوف بأنها “افتراضية”.

ويعيش غالبية المهاجرين، بمن فيهم حملة الجنسية الأميركية، وخاصة المهاجرين من أفريقيا وجنوب آسيا والشرق الأوسط، في مناخ من الخوف، دفع بالعديد منهم إلى التوقف عن العمل، والبقاء في منازلهم، أو إغلاق محلاتهم التجارية في المدن الكبيرة. وكانت إدارة ترامب قد خفضت معدل الهجرة هذه السنة بنسبة كبيرة، وسمحت فقط للمهاجرين البيض القادمين من جنوب أفريقيا، حيث يدعي ترامب أنهم يهربون من حرب إبادة.

تعرضت الجاليات الأجنبية، التي وصلت إلى الولايات المتحدة من خارج دول شمال أوروبا، إلى مختلف أنواع التمييز وحتى العداء، وهذا يشمل المهاجرين الأيرلنديين والطليان والعرب والصينيين واليهود. ولكن الولايات المتحدة بقيت لمعظم هؤلاء المهاجرين، وخاصة أولادهم، “المدينة المشعة على التلة” التي تعدك بملكية ما يسمى “بالحلم الأميركي،” أي تحقيق النجاح الاقتصادي والاجتماعي، وإن بعد تضحيات كثيرة.

هذا الحلم الذي يفلت الآن من الأميركيين المولودين في البلاد، لن يتوفر للمهاجرين، في الوقت الذي تعيش فيه الولايات المتحدة انقسامات وتوترات ديموغرافية واجتماعية وثقافية ودينية غير مسبوقة، حيث من المتوقع بعد حوالي عقدين من الزمن، أن يتحول المواطنون البيض إلى أكبر أقلية في البلاد، مع تغير ملامح ولون النصف الأخر من الأميركيين إلى السمرة.

The post ترامب يصعّد حربه ضد الهجرة والمهاجرين appeared first on AGSI.

]]>
34899
واشنطن والرياض بين زيارتين https://agsi.org/ar/analysis/washington-and-riyadh-between-two-visits-arabic/ Thu, 20 Nov 2025 21:35:15 +0000 https://agsi.org/?post_type=analysis&p=34753 الرياض وواشنطن تعيدان رسم توازن العلاقة بينهما. بين رمزية الاستقبال وحسابات المصالح، ترسم زيارة ولي العهد الثانية إلى واشنطن ملامح شراكة جديدة.

The post واشنطن والرياض بين زيارتين appeared first on AGSI.

]]>
تأتي الزيارة الثانية لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن، على خلفية حدوث تطورات وتغييرات استراتيجية وسياسية واقتصادية جذرية، غيرت، إلى حد كبير، من توازنات القوى في منطقة الشرق الأوسط، لم يكن يتصورها الرئيس ترامب أو ولي العهد السعودي عندما قام الأمير محمد بن سلمان بزيارته الأولى إلى واشنطن في 2018.

في السنوات الماضية، نجحت إسرائيل، بدعم شبه مطلق من الولايات المتحدة، بإلحاق نكسات عسكرية نوعية أضعفت البرنامج النووي الإيراني، في أعقاب أول هجوم مشترك إسرائيلي-أميركي، وتحويل إيران إلى بيت دون سقف، بعد أن سيطر الطيران الإسرائيلي على أجواء إيران، ودمّر جزءاً كبيراً من ترسانتها الصاروخية. وسارعت إسرائيل بتوسيع حربها الشاملة ضد حركة حماس إلى حرب إقليمية، قامت خلالها بإلحاق خسائر بشرية ومادية كبيرة بالقوى الإقليمية، التي تخدم مصالح النظام الإسلامي في طهران، بدءاً من حركة حماس في قطاع غزة، إلى حزب الله في لبنان، وانتهاءً بالميليشيات الحوثية في اليمن. انشغال إيران بالمواجهة مع إسرائيل، وروسيا بحربها ضد أوكرانيا، وضعف حزب الله، كلها عوامل ساهمت في التعجيل بسقوط نظام بشار الأسد الهش في سوريا.

معظم هذه التطورات تنسجم مع مصالح البلدين، وساهمت في تعزيز نفوذهما الإقليمي. استياء الرأي العام العربي من الخراب المادي الكبير التي جلبته إسرائيل إلى غزة، وقتل عشرات الآلاف من المدنيين، لا يلغ حقيقة أن جميع دول الخليج العربية – باستثناء قطر- ترحب بانحسار نفوذ حركة حماس، وإنهاء حكمها لقطاع غزة.

وبعكس زيارته الأولى للولايات المتحدة، حيث أمضى ولي العهد ووفده ثلاثة أسابيع، زاروا خلالها مختلف الولايات، وناقشوا مع قادة الشركات التقنية المتطورة رؤيتهم لمستقبل المملكة الاقتصادي والعلمي، انحصرت الزيارة الحالية بواشنطن، في اجتماعات مع الرئيس ترامب وأعضاء حكومته يوم الثلاثاء، لحقها في اليوم التالي مؤتمراً عن الاستثمارات السعودية في الولايات المتحدة، لتعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين. وتحدث في المؤتمر، الرئيس ترامب وولي العهد السعودي. وشارك في المؤتمر قادة كبريات شركات التكنولوجيا والمسؤولين الحكوميين، لمناقشة مختلف القطاعات الاقتصادية.

وللتدليل على قوة العلاقات الشخصية والسياسية بين البلدين، بذل الرئيس ترامب كل ما في وسعه لتوفير استقبال حار وحميم تخلله استعراض جوي للطائرات الحربية فوق البيت الأبيض، شاركت فيه طائرات من طراز إف-35، الأكثر تطورا في الترسانة الأميركية، والتي قال ترامب أنه يريد أن يبيعها إلى السعودية. بالإضافة إلى عرض للجنود الاميركيين على الخيول السوداء، وهم يحملون الأعلام الأميركية والسعودية. واستقبل ولي العهد السعودي وكأنه رئيس دولة، مع أن منصبه الرسمي هو رئيس للحكومة السعودية.

كما تأتي الزيارة بعد “تطبيع” العلاقات، وبعد التقدم النوعي للعلاقة الرسمية في ولاية ترامب الثانية، والتي سبقها تعزيز العلاقات والاستثمارات المالية في نظام النقد الالكتروني (البيتكوين) بين أفراد العائلتين، الأمر الذي أثار الأسئلة حول وجود تضارب في المصالح، ما دفع بالرئيس ترامب للقول أنه لا علاقة له بشركته التي يديرها أبناؤه، الذين يستثمرون في مختلف الدول.

وفي السنوات التي عقبت زيارته الأولى إلى واشنطن، أوقف ولي العهد اقحام بلاده في نزاعات خارجية مكلفة، مثل الحرب في اليمن، والحصار المفروض على قطر، وبدأ بالتركيز على بناء الجبهة الداخلية، وتوسيع رقعة الحريات المدنية وليس السياسية، وتطوير البلاد اقتصادياً، وابعادها عن الاعتماد على تصدير النفط، وتحويلها إلى مركز للصناعات المتطورة، ومن بينها وضع استثمارات كبيرة في مجال الذكاء الاصطناعي في المملكة. وحين زار واشنطن للمرة الثانية، كان ولي العهد قد انتهى من فرض سلطته السياسية بشكل حاسم في الداخل، كما في الإقليم.

وأي مقارنة بين ولاية ترامب الأولى والثانية، تبين أن ترامب نجح في فرض سيطرة شبه كاملة وغير مسبوقة على النظام السياسي الأميركي، حيث يسيطر الحزب الجمهوري، الذي طبعه بشخصيته، وحوله إلى حزب يدين له بولاء شبه مطلق، وسيطرته على السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية. وخلال أقل من عشرة أشهر، جمع ترامب في يديه سلطات واسعة أتت على حساب ترهيب قطاعات المجتمع المدني، من وسائل الاعلام إلى الجامعات. وهكذا تأتي الزيارة الثانية لولي العهد السعودي في الوقت الذي وصلت إليه سلطته وسلطة الرئيس الأميركي إلى ذروتها.

وخلال ولاية الرئيس السابق جوزيف بايدن، دخلت العلاقات الثنائية في مأزق بعد انتقادات بايدن للسعودية خلال حملته الانتخابية، ووصفها بالدولة المنبوذة، بسبب سجلها الرديء في مجال حقوق الانسان. ووصلت انتقادات بايدن وأعضاء الكونغرس والرأي العام لولي العهد السعودي إلى ذروتها، بعد أن كشفت أجهزة الاستخبارات الأميركية، بما فيها وكالة الاستخبارات المركزية، تورطه في جريمة قتل الصحفي جمال خاشقجي، الذي كان يعمل في صحيفة واشنطن بوست، ويقيم في ولاية فيرجينيا.

وخلال استقبال ولي العهد السعودي في البيت الأبيض، أثنى ترامب بسخاء على إنجازاته، وذكر من بينها حقوق الإنسان. وحين طرحت احدى الصحفيات على الأمير محمد سؤالاً حول تقرير الاستخبارات عن خاشقجي، بادر الرئيس ترامب بحدة وحماس واضحين للرد قائلا، إن خاشقجي كان “مثيرا للكثير من الجدل”، وأن “الأشياء تحدث”، مشيراً إلى أن ولي العهد لم يكن له علم بالجريمة، وانتهى بتأنيب الصحفية. وسارع ولي العهد للقول، إنه “من المؤلم أن يخسر إنسان حياته دون أي سبب حقيقي، أو بشكل غير قانوني. لقد غيرنا نظامنا، للتأكد من عدم حدوث أي شيء مماثل (في المستقبل)”، وقال إن  ما حدث يعتبر “غلطة كبيرة”.

وحتى قبل وصول ولي العهد السعودي إلى واشنطن، تلقى وعداً من الرئيس ترامب بتزويد الرياض بطائرات أف-35 المتطورة، التي لم تحصل عليها في الشرق الأوسط أي دولة باستثناء إسرائيل التي تتحفظ على الصفقة السعودية، وخاصة إذا شملت جميع الخصائص الإلكترونية الحديثة. وأي صفقة من هذا النوع تتطلب موافقة مجلس الشيوخ، حيث هناك تحفظات حول تزويد السعودية بطائرات يعتقد البعض أنها ستغير التوازن العسكري في المنطقة، حيث تضمن واشنطن تقليدياً تفوق إسرائيل النوعي. وهناك تخوف من حصول الصين، التي تربطها علاقات جيدة مع السعودية، على تقنيات هذه الطائرة في المستقبل. ويشكك البعض بمن فيهم أعضاء جمهوريين بقدرة ترامب على اقناع حزبه بتمرير الصفقة، ويشيرون إلى الصفقة التي وقعتها دولة الإمارات المتحدة مع الولايات المتحدة خلال ولاية ترامب الأولى لشراء خمسين طائرة أف-35، كجزء من قبول دولة الإمارات بالدخول في اتفاقيات إبراهام. ولكن الصفقة واجهت شروطاً أميركية تعجيزية، وعلقت إدارة الرئيس بايدن السابقة إنجازها، مما أدى عملياً إلى وقف تنفيذ الصفقة.

وكان المسؤولون السعوديون قد قاموا في الآونة الأخيرة بجهود كبيرة للتخفيف من التوقعات بإنضمامهم في أي وقت قريب إلى اتفاقات إبراهام، كما يهدف ترامب، لأن تطبيع العلاقات السعودية-الإسرائيلية سوف يؤدي إلى تحييد معارضتها لحصول الرياض على طائرات أف-35. وخلال وجوده في البيت الأبيض، قال الأمير محمد بن سلمان، “نريد أن نكون جزءاً من اتفاقات إبراهام، ولكننا نريد أيضا أن نكون واثقين من ضمان وجود طريق واضح يؤدي إلى حل الدولتين”. وأضاف، “نريد السلام مع الإسرائيليين، ونريد السلام مع الفلسطينيين، ونريدهم أن يتعايشوا سلمياً”. ولكن الحكومة الإسرائيلية الحالية ترفض بشكل قاطع قيام دولة فلسطينية مستقلة.

وتركزت المباحثات على حجم الاستثمارات المالية السعودية في الولايات المتحدة، التي تم الاتفاق عليها حين زار الرئيس ترامب السعودية، ووصلت آنذاك إلى 600 مليار دولار، والقطاعات التي ستستثمر فيها الأموال، وخاصة حصول السعودية على تقنيات الذكاء الاصطناعي، وعلى رقائق الكومبيوتر الأكثر تطوراً في العالم والتعاون في مجال الطاقة. ووعد ولي العهد برفع قيمة الانفاق السعودي والاستثمارات في الولايات المتحدة إلى ترليون دولار، دون أن يلزم نفسه بأي جدول زمني، أو في أي قطاعات سوف يتم الاستثمار فيها. وهناك رغبة أميركية بإبقاء السعودية وغيرها من دول الخليج العربية خارج دائرة الاعتماد على الصين تقنياً، من خلال تزويدها بتقنياتها المتطورة، لكيلا تلجأ إلى الصين.

ولكن الزيارة التي لم تتعد اليومين، لم تحسم طلب السعودية الحصول على برنامج نووي سلمي، وهو طلب قيد النقاش منذ سنوات، وخاصة إصرار السعودية على تخصيب اليورانيوم في منشآتها النووية، ومعارضة واشنطن لذلك – كما هول الحال مع إيران – لأن هذه القدرات تسمح نظرياً بتطوير القنبلة النووية. وتم الاتفاق على مواصلة مناقشة هذه المسألة العويصة.

ومع أن السعودية كانت تأمل بالتوصل إلى اتفاقية دفاع مشترك رسمية، إلا أن ذلك يتطلب موافقة ثلثي عدد أعضاء مجلس الشيوخ، وهو أمر متعذر حالياً. وفي هذا السياق، أعلن الرئيس ترامب خلال مأدبة العشاء مساء الثلاثاء، التي أقامها على شرف الأمير محمد، تصنيف السعودية “حليف رئيسي خارج الناتو”، ويؤدي هذا الاتفاق إلى تعزيز العلاقات العسكرية، ويسهل حصول المملكة على الأسلحة الأميركية. ولكن هذا الاتفاق لا يشمل توفير ضمانات أمنية أميركية للسعودية. وسوف تنضم السعودية إلى 19 دولة وقعت مثل هذا الاتفاق، بينها إسرائيل وقطر والكويت والاردن.

لا تزال منطقة الشرق الأوسط تختبر التداعيات العميقة للتطورات والاضطرابات التي حلت بها في السنوات الماضية. وما يمكن قوله ببعض الثقة هو أن الرئيس ترامب – لأسباب شخصية واستراتيجية – سوف يواصل تعزيز علاقاته بالسعودية وغيرها من دول الخليج العربية. كما أن اعتماده على سياسة “أميركا أولا” وسعّت من قدرته على تبني مواقف غير تقليدية وأكثر استقلالية من أسلافه، مثل التفاوض المباشر مع إيران وحركة حماس، والتعجيل بإلغاء العقوبات الاقتصادية ضد سوريا، مع ما يحمله ذلك من تقلبات وتطورات ايجابية وسلبية، في شرق أوسط يتغير بشكل مدوي.

The post واشنطن والرياض بين زيارتين appeared first on AGSI.

]]>
34753
إنجاز ديموقراطي ونكسة للرئيس ترامب https://agsi.org/ar/analysis/a-democratic-win-and-a-setback-to-trump-arabic/ Fri, 07 Nov 2025 14:57:48 +0000 https://agsi.org/?post_type=analysis&p=34639 انتخابات مبكرة تمنح الديمقراطيين دفعة قوية، فيما يعتبر بمثابة استفتاء غير مباشر على سياسات ترامب.

The post إنجاز ديموقراطي ونكسة للرئيس ترامب appeared first on AGSI.

]]>
عندما بدأ الرئيس دونالد ترامب ولايته لثانية في يناير/كانون الثاني الماضي، وجد الديموقراطيون أنفسهم ضائعون في صحراء سياسية قاحلة. مساء الثلاثاء، خلال أول انتخابات جزئية منذ وصول ترامب إلى البيت الأبيض عثر الديموقراطيون على الواحة الموعودة، بمياهها العزباء وعشبها الأخضر، حين حققوا فوزاً انتخابياً هاماً، وحتى تاريخياً، حين حصدوا أكثرية المناصب المتنافس عليها، من حاكمية الولايات، إلى رؤساء البلديات وأعضاء المجالس التشريعية المحلية، وبعثوا بتأنيب شعبي إلى الرئيس ترامب، وأيضاً إلى الطبقة السياسية الديموقراطية المترهلة. وهناك احتمال كبير بأن يتحول هذا الحصاد الديموقراطي إلى مكاسب سياسية في الانتخابات النصفية بعد سنة، أبرزها استعادة السيطرة على مجلس النواب، ووقف أو عرقلة السياسات الاقتصادية المتهورة التي اعتمدها ترامب، وخاصة الرسوم الجمركية العالية على البضائع المستوردة من الأسواق الخارجية، والتي تتحول عملياً إلى ضرائب ترهق المستهلك الأميركي، والتصدي لمحاولات ترامب تقويض المؤسسات والقيم الديموقراطية، وإضعاف مؤسسات المجتمع المدني من خلال الاستئثار والتفرد بالسلطة السياسية على حساب تقاسم السلطات والدستور.

جلبت انتخابات الثلاثاء جيلاً جديداً من القادة الديموقراطيين، من المتوقع أن يرفعوا من معنويات حزبهم ويعطوه زخماً جديداً. وليس من المبالغة القول أن فوز المرشحين الديموقراطيين بنسب عالية يمثل لحظة تاريخية بالفعل. وللمرة الأولى في تاريخ مدينة نيويورك، أكبر مدينة في الولايات المتحدة، والعاصمة المالية للولايات المتحدة وللعالم، اختار الناخبون المرشح الديموقراطي الاشتراكي زهران ممداني، البالغ من العمر 34 سنة، والمهاجر المسلم المولود في أوغندا، من أصول هندية، بعد 24 سنة من هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 الارهابية. وخلال أقل من سنة، تحول ممداني من مشرّع مغمور في مجلس ولاية نيويورك، إلى أكثر سياسي ديموقراطي معروف في البلاد. وفاز ممداني بأكثر من خمسين بالمئة من الأصوات في سباق ثلاثي ضد حاكم ولاية نيويورك السابق أندرو كوومو، الذي ترشح كمستقل بعد أن هزمه ممداني في الانتخابات الحزبية في الصيف الماضي، والمرشح الجمهوري كيرتيس سليوا. وحصل ممداني على أكبر عدد من الاصوات منذ 1965.

وفي ولايتي فيرجينيا ونيوجيرسي، صنعت المرشحتين الديموقراطيتين المعتدلتين، آبيغال سبانبرغر (42 سنة) وميكي شيريل (53 سنة)، التاريخ حين فازا بحاكمية الولايتين، بعد أن كسرا احتكار السياسيين الرجال لهذين المنصبين منذ تأسيس الولايتين.  كما فازت غزالة هاشمي بمنصب نائب حاكم فيرجينيا، وهو أبرز وأول منصب في الولاية تفوز به امرأة مسلمة. فوز ممداني الاشتراكي، الذي أيده المرشح الرئاسي السابق والاشتراكي السناتور بيرني ساندرز، وفوز المعتدلتين سبانبرغر وشيريل يعكس حقيقة خيمة  الحزب الديموقراطي الكبيرة التي تضم تيارات سياسية متنوعة.

وفاز المرشحون الديموقراطيون برئاسة بلديات مدن هامة في أكثر من منطقة جغرافية، من بينها جيرزي سيتي وبيتسبيرغ وسينسيناتي واتلانتا وديترويت ومينيابوليس. كما حققوا انتصارات في مجلسي ولايتي  ميسيسيبي وجورجيا الجنوبيتين. وفي استفتاء شعبي كبير، وافق الناخبون في ولاية كاليفورنيا، أغنى وأكبر ولاية أميركية، على خطة حاكم الولاية الديموقراطي غافن نيوسم، بإعادة رسم الخريطة الانتخابية بطريقة تخدم المرشحين الديموقراطيين، في المعركة الدائرة بينه وبين الرئيس ترامب، الذي يريد استمرار سيطرة الحزب الجمهوري على مجلس النواب.

وكان ترامب قد طلب من حاكم ولاية تكساس وغيره من الحكام الجمهوريين، إعادة رسم الخرائط الانتخابية لصالح المرشحين الجمهوريين. وكان ترامب صريحاً ومباشراً في طلبه من حاكم تكساس زيادة عدد ممثلي الولاية بخمس نواب جمهوريين. وكان غافن نيوسم أول حاكم ديموقراطي يتصدى لترامب، ويسعى إلى إعادة رسم الخريطة الانتخابية في الولاية لصالح حزبه، ليوقف احتكار الحزب الجمهوري لرئاسة مجلس النواب في السنة المقبلة. وأنفق مؤيدو الخطة ومعارضوها حوالي مئتي مليون دولار لتعبئة الناخبين.

انتصارات يوم الثلاثاء، أدت إلى وصف العديد من المعلقين الانتخابات الجزئية بمثابة “موجة زرقاء”، في إشارة إلى الحزب الديموقراطي، وتعرض الرئيس ترامب إلى نكسة سياسية عكست انحدار نسبة التأييد الشعبي له. وتبين آخر استطلاعات الرأي العام أن الأميركيين الذين يوافقون على أداء ترامب لا يتعدى 37 بالمئة، بينما تصل نسبة الذين لا يوافقون على أدائه إلى 63 بالمئة. ويعود انحسار شعبية ترامب إلى عوامل عديدة أبرزها تراجع عدد الناخبين المستقلين الذين يوافقون على أداء ترامب إلى 29 بالمئة فقط. ووفقاً لاستطلاعات الرأي المختلفة، لا توافق أكثرية الأميركيين على كيفية تعامل ترامب مع القضايا الهامة التي تهم الناخب الأميركي، بما في ذلك مواقفه الاقتصادية المتناقضة، مثل الرسوم الجمركية العالية والاعتباطية، والتضخم الذي يشعر به الناخب الأميركي يومياً. وهناك استياء شعبي واسع من الممارسات القاسية التي يقوم بها عناصر حماية الحدود ضد المهاجرين غير الموثقين.

وسارع الرئيس ترامب وغيره من القادة الجمهوريين إلى التعلق بالنكران، والتقليل من أهمية المكاسب الديموقراطية، حيث قال ترامب إن الاداء الرديء للمرشحين الجمهوريين يعود إلى أن اسمه لم يكن بين المرشحين، كما يعود أيضا إلى الآثار السلبية للأغلاق الحكومي، وتسريح آلاف من الموظفين الحكوميين. ولكن أداء المرشحين الديموقراطيين الجيد، واستعداد العديد منهم، وخاصة أفراد مثل غافن نيوسم في كاليفورنيا، وزهران ممداني في نيويورك لشنّ حملات انتخابية قوية ضد ترامب وسياساته وسلوكه، أظهر أن الهجوم هو أفضل وسيلة للدفاع.

وحتى بعد هذه النكسة الانتخابية، واستمرار شعبيته بالهبوط، يضاعف الرئيس ترامب من انتقاداته للقادة الديموقراطيين، وتشويه سمعتهم والتشكيك بوطنيتهم، وحتى بالدعوة إلى اعتقالهم، كما دعا في السابق لاعتقال الحاكم نيوسم، واتهام زهران ممداني بأنه شيوعي، وأن انتخابه سيؤدي إلى كارثة. أعلن ترامب عشية الانتخابات تأييده للمرشح كوومو في نيويورك، الأمر الذي اعتبره الكثيرون خطوة يائسة وانتهازية.

الاقبال الكبير للناخبين الديموقراطيين على التصويت لمرشحيهم في انتخابات جزئية، يبين مدى استياء مختلف الفئات التي تتحرك تحت المظلة الديموقراطية، وإذا استمر هذا الحماس الديموقراطي حتى الانتخابات النصفية بعد سنة، فإن الجمهوريين قد يخسرون سيطرتهم على مجلس النواب، الأمر الذي سوف يسهل على الديموقراطيين احباط، أو التأثير، على سياسات ترامب. وقبل الانتخابات، نظم الديموقراطيون تظاهرات ضد ما يعتبرونه الممارسات القمعية لحرس الحدود، الذين أوقفوا الكثير من المواطنين الأميركيين، وليس فقط المهاجرين غير الموثقين.

وقبل أسابيع نظموا تظاهرت في آلاف المدن والبلدات في جميع أنحاء البلاد تحت شعار “لا ملوك”، شارك فيها أكثر من 7 ملايين مواطن، وذلك في رفض مباشر وقوي لاستئثار ترامب بالسلطة وتقويضه للقيم الديموقراطية. سوف تشجع نتائج الانتخابات على بروز مرشحين ديموقراطيين شباب لدخول الكونغرس ليس فقط للتصدي لترامب، بل أيضاً للطبقة الديموقراطية التقليدية، التي عززت من تركيز الحزب على الانخراط في معارك جانبية حول هويات الفئات الديموقراطية والقضايا الثقافية والاجتماعية الجانبية، وعدم التركيز على العوامل الاقتصادية.

سارع الرئيس ترامب، وغيره من القادة الجمهوريين، إلى الادعاء أن زهران ممداني هو الوجه الجديد المتطرف “والشيوعي” للحزب الديموقراطي. والحقيقة أن ممداني يفاخر بنزعته الاشتراكية، وبدينه الاسلامي، وتأييده للقضية الفلسطينية، وهو الذي ينقح خطبه بكلمات وجمل عربية يلفظها بدقة ووضوح.

ويواصل ترامب تهديده لممداني بأنه لن يوفر الموارد المالية الفدرالية لمدينة نيويورك، ولكن ممداني لم يتراجع في وجه ترامب، بل لجأ إلى الهجوم المضاد. قال ممداني في خطاب فوزه، “إذا كانت هناك طريقة لترهيب طاغ، فهي من خلال تفكيك الظروف التي مكنته من مراكمة عناصر القوة”. وفي تحد سافر لترامب أضاف ممداني، “بما أنني اعرف أنك تراقب (الخطاب) لدي أربع كلمات لك: ارفع الصوت إلى الأعلى”.

ويدعو ممداني إلى فرض ضرائب إضافية على ذوي الدخل العالي والشركات لدفع نفقات الخدمات الاجتماعية، مثل العناية المجانية بالأطفال، وتجميد الايجارات، وتوفير خدمات النقل (الباصات) مجاناً. وخاض ممداني حملته بتفاؤل كبير، وكان يقوم بنشاطاته الانتخابية بشكل دائم، وفي كل منطقة في المدينة الكبيرة، ويركز على التنوع الديموغرافي الذي يجعل نيويورك وكأنها دولة مستقلة، وفي كل خطبه كان يشير إلى أهمية المهاجرين الذين صنعوا المدينة. وسوف يجد ممداني نفسه بعد استلامه لمنصبه، في مواجهة مع رؤساء الشركات والمصارف الكبيرة في نيويورك، الذين أعربوا عن قلقهم من انتخاب اشتراكي ديموقراطي لإدارة العاصمة المالية للعالم.

وحصل ممداني على أصوات مختلف الفئات العرقية والدينية في المدينة، وبالإضافة إلى أصوات العديد من الشباب الذين يبحثون عن سياسيين يرفضون المساومة على مبادئهم، جذب ممداني إلى حملته نسبة كبيرة من الناخبين المسلمين والعرب، وبلغت نسبة الناخبين اليهود الذين صوتوا لممداني إلى أكثر من ثلاثين بالمئة.

ومن المتوقع أن يستعير المرشحون الديموقراطيون في السنة المقبلة نبرة ممداني التفاؤلية، والتنظيم الفعال لحملته، دون أن يستعيروا بالضرورة بعض طروحاته، ومنها توفير الخدمات الاجتماعية المجانية، الذي يشكك العديد من المراقبين في قدرته على توفيرها. ويبين فوز ممداني التقدمي في مدينة نيويورك، وسبانبرغر وشيريل المعتدلتين في ولايتي فيرجينيا ونيو جيرسي، أن الديموقراطيين الذين ركزوا هذه المرة على القضايا والهموم الاقتصادية وغلاء المعيشة، بدلاً من الانشغال بالخلافات الثقافية والاجتماعية، أو التركيز على انتقاد ترامب دون أن يطرحوا البدائل، لديهم الفرصة للبقاء خارج الصحراء السياسية التي زجهم فيها ترامب وقياداتهم الضعيفة.

The post إنجاز ديموقراطي ونكسة للرئيس ترامب appeared first on AGSI.

]]>
34639
الشرق الأوسط يدخل مرحلة انتقالية غامضة https://agsi.org/ar/analysis/the-middle-east-enters-an-ambiguous-transition-arabic/ Thu, 23 Oct 2025 20:01:37 +0000 https://agsi.org/?post_type=analysis&p=34523 ليس شرقاً أوسط جديداً، بل هدنةٌ طويلة على حافة الانفجار، انتصار بلا ترتيب سياسي، ونظام قديم يتداعى من دون بديل واضح.

The post الشرق الأوسط يدخل مرحلة انتقالية غامضة appeared first on AGSI.

]]>
يقول الفيلسوف الايطالي، أنطونيو غرامشي، “الأزمة تتكون بالتحديد من حقيقة أن القديم في حالة الموت، والجديد لم يخلق بعد. في الفترة الانتقالية تظهر مجموعة مختلفة من الأعراض السقيمة”.

بعد مرور سنتين على حرب مدمرة، انحصرت في البداية بين حركة حماس وإسرائيل، سرعان ما تحولت إلى حرب إقليمية، أحدثت شروخاً كبيرة وتحولات جذرية في النظام السياسي والأمني الإقليمي، الذي كانت تعيش فيه دول المنطقة الجغرافية الممتدة من مصر إلى إيران، منذ بروز الثورة الإيرانية في 1979، وعلى مدى 46 سنة، قادت إيران خلالها ما يسمى “بمحور الممانعة” المُشكل من تنظيمات مسلحة في لبنان والعراق واليمن، إضافة إلى سوريا التي ترتبط بإيران سياسياً وعسكرياً ومذهبياً، في مواجهة دول الجزيرة العربية ومصر والأردن وإسرائيل في “تحالف” ضمني تدعمه الولايات المتحدة.

أظهرت حرب السنتين، إلى حد كبير، هشاشة الردع الذي خلقته واستغلته إيران لتهديد دول المنطقة والمصالح الأميركية فيها. صحيح، إن النظام القديم في حالة نزيف وترّنح بعد تعرض جميع جبهاته إلى ضربات عسكرية إسرائيلية وأميركية مكلفة، ولكنه لم يلق حتفه بعد. والنظام الجديد أو البديل الذي يفترض أن يخرج من ركام النظام البائد، لا يزال غائباً.

الأعراض السقيمة والكئيبة والمروعة، التي تحدث عادة في الفترة الانتقالية بين القديم والجديد، التي تحدث عنها غرامشي، هي الفترة التي ستعيش فيها المنطقة قبل اندحار النظام القديم وولادة النظام الجديد. حوّلت حرب السنتين إسرائيل إلى القوة العسكرية المهيمنة على كامل المنطقة، ولكن هذا الانتصار العسكري سيبقى انتصاراً تكتيكياً، إذا لم يؤد إلى بروز نظام سياسي وأمني إقليمي جديد. وفي المقابل، لا تزال إيران تضمد جراحها، بعد ان مُنيت بنكسة عسكرية كبيرة، أضعفت كثيراً من نفوذها الاقليمي، ولكنها لا تزال قادرة نسبياً على ترهيب جيرانها.

الترحيب الدولي بوقف إطلاق النار، والإفراج عن الرهائن الإسرائيليين والموقوفين الفلسطينيين (دون أي تهم)، يعكس رغبة واسعة بوضع حد للقتل الجماعي، ولكن على الرغم من أهمية هذا الحدث، إلا إنه من الخطأ التعامل مع خطة الرئيس ترامب وكأنها اتفاق سلام وضع المنطقة أمام أفق جديد وواعد. الرئيس ترامب، الذي يميل إلى شخصنة كل شيء، ويرفض ممارسة الديبلوماسية التقليدية، ويستبدلها بأسلوب عفوي يتسم بالمبالغات والتعميم والصور النمطية، تعامل خلال زيارته إلى إسرائيل ومصر وكأن خطته لوقف إطلاق النار أدت، بسبب شخصيته وإرادته واستعداده للضغط على الأطراف المعنية، إلى اتفاق سلام عادل وشامل أنهى نزاعاً دموياً مستمراً منذ أكثر من قرن من الآلام والاقتلاع والمجازر، التي استهدفت الفلسطينيين والإسرائيليين وغيرهم من سكان الدول المحيطة بفلسطين التاريخية.

تعامل الرئيس الأميركي مع قمة شرم الشيخ في مصر، حيث إلتقى بقادة عدد من الدول العربية والاسلامية والأوروبية، وكأنها بالفعل احتفالاً بولادة شرق أوسط جديد. المطلعون على التاريخ الحديث للمنطقة يذكرون أكثر من ولادة وهمية لهذا الشرق الأوسط الجديد، تم الاحتفال بها أكثر من مرة خلال عقود ما كان يسمى ب “عملية السلام”.

ومرة أخرى أظهر الرئيس ترامب خلال تصريحاته في إسرائيل ومصر أن معرفته بتعقيدات وتاريخ النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي المعقد، سطحية ومحرجة للغاية، مثل تكرار ادعاءاته من أنه أنهى نزاعاً مستمراً منذ آلاف السنوات، عجز غيره عن إنهائه، بينما ما حققه لا يتعدى وقف القتال، وربما لوقت محدود.

لم يتطرق الرئيس الأميركي، خلال تصريحاته الانتصارية، إلى أن الأفق السياسي يتضمن دولة فلسطينية مستقلة، وإن اعترفت الخطة “بتطلعات” الشعب الفلسطيني بتحقيق تقرير المصير، كما غاب عن الخطة أي ذكر لاستمرار الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية واقتلاع الآلاف من سكانها. طبعاً، لم يذكر ترامب مصير مدينة القدس، بعد أن اعطى لنفسه حق إهدائها لإسرائيل خلال ولايته الأولى.

ويبين تاريخ المفاوضات العربية-الإسرائيلية خلال العقود الماضية أن تحقيق تقدم ولو بسيط يتطلب تدخلاً مباشراً وقوياً من الرئيس الأميركي، الذي يضطر إلى الإلمام بتعقيدات وتاريخ النزاع العربي-الإسرائيلي، وهذا ما فعله رؤساء مثل بيل كلينتون، وإلى حد أقل باراك أوباما. ولذلك كان من المستغرب تعيين الرئيس ترامب رئيساً لمجلس السلام العالمي، وهو المعروف بتغيير آرائه والتراجع عن التزاماته وعدم انضباطه، الأمر الذي سوف يخلق الشكوك الشرعية في جديته كصانع لسلام حقيقي بين الفلسطينيين وإسرائيل. الذين يتمتعون بذاكرة جيدة، يذكرون أن ترامب قبل أشهر تحدث عن وضع قطاع غزة تحت اشراف الولايات المتحدة، وتحويله إلى ” ريفييرا الشرق الاوسط”، طبعا بعد ترحيل الفلسطينيين عن القطاع.

هشاشة وقف إطلاق النار واحتمال استئناف القتال بداً واضحاً خلال تنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق حين تخلفت حركة حماس عن تنفيذ جميع بنوده، ومنها إعادة جميع رفات الرهائن الإسرائيليين، الأمر الذي أدى إلى صدور تحذيرات وتهديدات من قبل الرئيس ترامب ورئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو. وبالفعل بعد مقتل جنديين إسرائيليين في غزة، قامت إسرائيل بشن غارات ضد غزة أدت إلى قتل حوالي 45 شخصاً، بدت الخطة وكأنها في طريقها إلى الإنهيار. قيام حركة حماس بإعادة تنظيم صفوفها وفرض سيطرتها العسكرية على القطاع، بما في ذلك إعدام الفلسطينيين الذين تتهمهم بالتعاون مع إسرائيل (دون أي محاكمات عادلة)، واستمرار المؤشرات بأن حماس لا تفكر بالتخلي عن سلاحها، كل هذه العوامل أظهرت هشاشة الخطة الغامضة، والذي يتطلب تنفيذها إجراء مفاوضات مفصلة حول معظم بنودها العشرين.

في السابق قام رؤساء أميركيين من الحزبين بالضغط على إسرائيل من خلال تجميد أو تأخير تسليمها الأسلحة، أو التهديد (كما فعل هنري كسينجر) بإعادة النظر في العلاقة الثنائية، إلا إنه لم يحدث أن خاطب رئيس أميركي رئيس وزراء إسرائيلي بشكل فظ، أو أرغمه على الاعتذار من قائد عربي، عندما طلب منه الاتصال بأمير قطر، أو القول بشكل علني وفظ، “لن اسمح لإسرائيل بضم الضفة الغربية” ، كما فعل الرئيس ترامب. والمفارقة هي أن ترامب سارع إلى وضع خطته عقب الهجوم الذي شنته إسرائيل ضد قطر، في تصعيد نوعي غير مسبوق ضد دولة خليجية تربطها علاقة عسكرية قوية بالولايات المتحدة، حيث لم يخف ترامب غضبه من نتنياهو.

ولكن ترامب لم يترجم أقواله إلى أفعال، وخدمة مصالح بلده، وتساهل مع انتهاك إسرائيل لأول وقف لإطلاق النار بعد ستة أسابيع من التوصل إليه، بل فاجأ وكافأ إسرائيل، حين تحدث بشكل اعتباطي عن عزمه على تحويل غزة إلى “ريفييرا” جديدة على المتوسط. كما أن ترامب لم يضغط على إسرائيل لحظرها الكامل للإمدادات الإنسانية إلى غزة، الأمر الذي أدى إلى انتشار المجاعة في القطاع.

حققت إسرائيل انتصاراً سياسيا بارزاً، حين قوضت المفاوضات الأميركية-الإيرانية النووية في الربيع الماضي، التي طالب بها ترامب بعد توجيه ضربة عسكرية لإيران. لا بل إنها أفلحت في إقناع الرئيس ترامب في يونيو/حزيران الماضي في مشاركتها في غاراتها ضد مرابض الصواريخ والمفاعلات النووية في إيران، حين أمر ترامب القاذفات الاستراتيجية بقصف المنشآت النووية في ناتانز وفوردو، التي بنتها إيران خلال العقود الماضية تحت الأرض. الهجوم المشترك غير المسبوق، كان دليلاً سافراً على قدرة إسرائيل على التأثير على الولايات المتحدة لاتخاذ قرارات عسكرية هامة تخدم مصلحة إسرائيل في الدرجة الأولى.

كما قامت إسرائيل، بعد سقوط نظام بشار الأسد في سوريا – بسبب انشغال حزب الله في مساندة حماس، وتعرض إيران إلى هجمات إسرائيلية مكلفة – ووصول الرئيس أحمد الشرع إلى السلطة، بشن غارات مكثفة ضد أهداف عسكرية في سوريا، وانتهاك الاتفاقات الموقعة مع دمشق حول انتشار القوات على الحدود، وتوسيع احتلالها لجنوب سوريا، في رسالة واضحة للنظام الجديد في دمشق إنها ستوسع من المنطقة المنزوعة من السلاح القريبة من حدودها، وتريد إبقاء التوتر بين بعض مكونات المجتمع السوري،  وفي رسالة ردع واضحة إلى تركيا المقربة من نظام الشرع. ومع أن الرئيس ترامب أراد إخراج سوريا من عزلتها الإقليمية والدولية، وإلغاء العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا منذ عقود، إلا أنه لم يسع إلى وقف الهجمات الإسرائيلية. وعلى الرغم من نجاح واشنطن في التوسط بين إسرائيل ولبنان وتحقيق اتفاق لوقف إطلاق النار، استمرت إسرائيل في انتهاكها المنظم للاتفاق، متجاهلة دعم واشنطن للرئيس جوزيف عون وحكومة رئيس الوزراء نواف سلام، واستمرار تسليحها للجيش اللبناني بعد موافقة السلطة اللبنانية على نزع سلاح حزب الله. إدارة الرئيس ترامب لم تتدخل بشكل مباشر لوقف الهجمات الإسرائيلية التي أدت إلى تدمير آلاف الأبنية في جنوب لبنان وقتل العديد من المدنيين.

قيام الرئيس ترامب بإرسال نائبه جي دي فانس والمبعوثين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر ووزير الخارجية ماركو روبيو إلى إسرائيل يعكس قلق ترامب من احتمال انهيار الاتفاق الهش، ورغبته بصيانته، ربما لأنه يدرك أن بنيامين نتنياهو غير مقتنع كلياً بالخطة الأميركية، ويفضل مواصلة تعامله مع الفلسطينيين ودول المنطقة عبر الوسائل العسكرية. وإسرائيل لا تزال في موقع قوي لعرقلة تنفيذ الخطة من خلال وقف، أو تأخير وصول الإمدادات الإنسانية، أو القيام بهجمات برية أو جوية لإبقاء الضغط على حركة حماس، أو عرقلة تشكيل “قوة الاستقرار” الدولية أو رفض الانسحاب الكلي من قطاع غزة. ومع أن الخطة الأميركية تشير إلى “تطلعات” الفلسطينيين بحق تقرير مصيرهم (إنشاء دولة مستقلة)، إلا إن نتنياهو في خطابه أمام الدورة العامة للأمم المتحدة جدد رفضه القاطع لإنشاء دولة فلسطينية. في المقابل، إذا واصلت حركة حماس رفضها التخلي عن سلاحها، فإن ذلك سيجعل تنفيذ الخطة صعباً إن لم يكن مستحيلاً.

وخلال وجود نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في إسرائيل، صّوت البرلمان الإسرائيلي على مشروع قرار أولي بفرض السيادة الإسرائيلية على جميع المستوطنات في الضفة الغربية.

وفي دليل آخر على استمرار عزلة إسرائيل في العالم ومعارضة الرأي العالم الدولي لسياساتها، بما في ذلك الولايات المتحدة، فقد جاء في استطلاع للراي أجرته شبكة رويترز ومؤسسة ايبسوس، أن 59 بالمئة من الأميركيين يؤيدون اعتراف الولايات المتحدة بالدولة الفلسطينية، بما في ذلك 80 بالمئة من الناخبين الديموقراطيين، و41 بالمئة من الناخبين الجمهوريين.

ما جرى خلال قمة شرم الشيخ ليس ولادة لشرق أوسط جديد، ولكنه احتفال شرعي بوقف أطول حرب بين إسرائيل والفلسطينيين، تحولت بسرعة إلى حرب اقليمية عززت من هيمنة إسرائيل العسكرية، ووضعت المنطقة، المحفوفة أصلاً بالتوتر السياسي والتطرف الديني، في مرحلة انتقالية ستكون مفتوحة لوقت طويل لكل الأعراض والظواهر السقيمة والمقلقة، قبل موت النظام القديم، وولادة النظام الجديد.

The post الشرق الأوسط يدخل مرحلة انتقالية غامضة appeared first on AGSI.

]]>
34523
الشرق الأوسط أمام مفترق طرق https://agsi.org/ar/analysis/the-middle-east-at-a-crossroad-arabic/ Thu, 09 Oct 2025 18:43:22 +0000 https://agsi.org/?post_type=analysis&p=34459 دفعت حرب غزة المنطقة إلى مفترق طرق، تجميد مسارات التطبيع، اتساع رقعة المواجهات من غزة إلى لبنان وسوريا واليمن، وتزايد عزلة إسرائيل مع تحولات في الرأي العام والتحالفات.

The post الشرق الأوسط أمام مفترق طرق appeared first on AGSI.

]]>
وضعت الحرب بين حركة حماس وإسرائيل، وهي الأطول والأكثر دموية في تاريخ الصراع بين الفلسطينيين وإسرائيل، منطقة الشرق الأوسط بكاملها أمام مفترق طرق خطير، وغيرت من أولويات جميع دول المنطقة التي بدأت تبحث عن تحالفات إقليمية ودولية للتعويض عن هشاشة الضمانات الأميركية، وعمقت من مشاعر الكراهية بين إسرائيل وشرائح اجتماعية كبيرة في الدول الاقليمية، وجمدت من عملية “تطبيع” العلاقات بين إسرائيل ودول عربية جديدة، وأبرزها السعودية. ولكن السمة الأساسية التي ميزت هذه الحرب عن غيرها من الحروب والمعارك العربية-الإسرائيلية في السابق، هو نوعية العنف وشموليته والغياب الكامل للتفريق بين المدنيين والعسكريين والقصف العشوائي المقصود.

بعد سنتين من الحرب الضارية حولت خلالها إسرائيل قطاع غزة إلى أهرامات من الركام، وقتلت أكثر من 67 ألف فلسطيني، سرعان ما نقلت إسرائيل الحرب من غزة إلى الدول المجاورة، حيث ألحقت بها نكسات عسكرية هامة جعلتها، على الأقل في المستقبل المنظور، القوة العسكرية العظمى في الشرق الأوسط، والدولة الأكثر عزلة في المنطقة والعالم. ولولا الدعم الأميركي العسكري والسياسي، غير المشروط تقريباً، لما كانت إسرائيل قادرة على تحقيق هذه المكاسب. ولكن إسبرطة الجديدة، كما يحلو لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أن يسمي إسرائيل، مثلها مثل إسبرطة اليونانية القديمة، سوف تجد أن انتصاراتها العسكرية التكتيكية لن توفر لها السلام والاستقرار والهدوء، أو تنهي شعورها بانعدام اليقين، أو تجعل جيرانها يقبلونها ككيان طبيعي.

ومع أن منظمات حقوق الإنسان العالمية، وحتى الإسرائيلية، وعدد كبير من المؤرخين والخبراء، يوافقون على أن الدمار والقتل العشوائي المنظم الذي ترتكبه إسرائيل في غزة يرقى إلى مستوى الإبادة، مع ما تسببت به هذه الممارسات المشينة من عزلة إسرائيل الدولية، إلا أن ردود الفعل الإقليمية والدولية بقيت في حيز الشجب والاستنكار، ولم تغير ولو بشكل ضئيل الوضع المأساوي في غزة. ومع أن خطة ترامب، بعد أن وافقت حماس وإسرائيل على تنفيذ المرحلة الأولى منها (الإفراج عن الرهائن الإسرائيليين والسجناء الفلسطينيين وبدء انسحاب القوات الإسرائيلية من القطاع) يمكن أن تؤدي إلى إنهاء الحرب، إلا أن الأفق لا يشمل سلاماً حقيقيا بين الفلسطينيين وإسرائيل.

العنف العشوائي والمتطرف والقتل الجماعي غير المسبوق منذ السابع من أكتوبر 2023، وخاصة تدمير إسرائيل لقطاع غزة واقتلاع أكثر من مليوني فلسطيني من منازلهم، والتسبب في مجاعة شوهت آلاف الأطفال او قتلتهم، وشرعنة الحديث العلني (الإسرائيلي والأميركي) عن تهجير الفلسطينيين، غيّر جذرياً من مسلمات وسياسات دول المنطقة. هذه الدول تبحث الآن عن تحالفات إقليمية أو دولية (الاتفاق بين السعودية وباكستان على سبيل المثال)، وتعاون عسكري يتخطى العلاقة العسكرية بواشنطن.

وسرعان ما تحولت الحرب في غزة إلى حرب إقليمية، وطالت لبنان واليمن وسوريا والعراق. وللمرة الأولى تحولت “حرب الظل” بين إسرائيل وإيران، إلى مواجهة عسكرية مباشرة في 2024 و2025.  وعلى مدى 12 يوماً، شنت إسرائيل هجمات جوية ضد مرابض الصواريخ والمنشآت النووية في إيران، انتهت بمشاركة سلاح الجو الأميركي بقصف المفاعلات النووية التي بنتها إيران تحت الارض.

وشنت إسرائيل هجمات مكثفة ضد مقاتلي حزب الله في لبنان، بعد أن ساند الحزب حركة حماس عسكرياً، حيث دمرت إسرائيل العديد من قرى جنوب لبنان، وقتلت أكثر من 4 آلاف لبناني. في هذه الحرب استخدمت إسرائيل تفوقها العلمي والاستخباراتي، كما بدا من تفجيرها لآلاف أجهزة الاتصال الـ (Pagers) التي يستخدمها عناصر حزب الله في سبتمبر/أيلول 2024، ما أدى إلى قتل 42 عنصراً وجرح أكثر من 3000 آخر.

وأدى الاختراق الاستخباراتي الإسرائيلي لحركة حماس وحزب الله والأجهزة الإيرانية العسكرية والعلمية إلى اغتيال الصف الأول من قيادات حماس السياسية والعسكرية، ليس فقط في غزة، بل في لبنان وإيران (صالح العروري وإسماعيل هنية)، وقادة في الحرس الثوري الإيراني في سوريا، وشخصيات عسكرية وعلماء في شؤون الطاقة النووية. وألحقت إسرائيل نكسة نوعية وكبيرة بحزب الله حين قتلت عدداً من قادته السياسيين والعسكرين بمن فيهم الأمين العام للحزب حسن نصر الله. وشنت إسرائيل هجمات جوية ضد القوات الحوثية في اليمن، التي هددت الملاحة في البحر الأحمر، وأطلقت الصواريخ ضد إسرائيل تضامناً مع حماس. واستغلت إسرائيل ضعف النظام الجديد في سوريا لتدمير ما تبقى من أسلحة الجيش السوري، وقامت بمئات الطلعات الجوية ضد التنظيمات المسلحة والموالية لإيران في سوريا والعراق. وفي انتهاك واضح لاتفاق فصل القوات الموقع في 1974 بين إسرائيل وسوريا، احتلت إسرائيل أراض سورية وراء المنطقة المنزوعة السلاح وفي جنوب سوريا.

وأدت النكسات التي ألحقتها إسرائيل بإيران و”محور المقاومة” الذي يدعمها، وانشغال روسيا بالحرب ضد أوكرانيا، وكذلك تورط حزب الله في القتال ضد إسرائيل، في إضعاف نظام الرئيس بشار الأسد في سوريا، ما أدى إلى سقوطه في نهاية السنة الماضية، حين تحركت قوات هيئة تحرير الشام من إدلب لتحتل أكبر مدينتين في سوريا: حلب ودمشق، وإرغام الأسد على الهروب إلى روسيا، وإنهاء حكم سلالة الأسد التي حكمت سوريا بالحديد والنار لحوالي 54 سنة.

وخلال قيام إسرائيل بتدمير البنية التحتية بكاملها في غزة وتجويع سكانه وحرمان الفلسطينيين من أبسط الخدمات الإنسانية، قام الجيش الإسرائيلي والمستوطنين اليهود بشن حملة ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية أدت إلى مقتل 800 شخص، وخلال هذه السنة قامت إسرائيل باقتلاع 40 ألف فلسطيني من منازلهم في الضفة الغربية، في أكبر عملية نزوح منذ حرب 1967. في لبنان، أرغم القصف الإسرائيلي 1.3 مليون لبناني على مغادرة الجنوب، وخاصة بعد تدمير إسرائيل لعشرات الآلاف من المنازل والشقق، حيث قدّر البنك الدولي قيمة الخسائر والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية بأكثر من 3 مليارات دولار. في المقابل وصل عدد الإسرائيليين الذين غادروا منازلهم في شمال إسرائيل لتفادي صواريخ حزب الله إلى 60 ألف شخص.

وتبقى نوعية العنف العشوائي والشمولي وغير المسبوق السمة الأساسية لهذه الحرب، لأن الخسائر البشرية        (أكثر من 70 بالمئة من الضحايا الفلسطينيين كانوا من النساء والأطفال) ومدى الدمار المادي يفوق جميع الحروب والمواجهات المسلحة بين إسرائيل والفلسطينيين، بما في ذلك المواجهات السابقة بين إسرائيل وحماس، والتي أدت إلى قتل 6 آلاف شخص. وهذه هي المرة الأولى التي يستخدم فيها الحصار والتجويع، وانتشار الأمراض بين سكان غزة، ما سوف يؤدي إلى زيادة عدد الضحايا.

كانت حرب أكتوبر/تشرين في 1973 آخر حرب نظامية بين إسرائيل والدول العربية. منذ ذلك الوقت، وإسرائيل تحارب قوى عربية غير نظامية، مثل منظمة التحرير الفلسطينية، ولاحقاً حركة حماس، وحزب الله في لبنان، والميليشيات الحوثية في اليمن. قرار الدول العربية عدم التصدي لإسرائيل حتى بعد أن حولت غزة إلى أرض يباب، يؤكد مرة أخرى أن ما كان يسمى الصراع العربي-الإسرائيلي القديم، لم يعد موجوداً على المستوى الرسمي. الحكومات العربية إما هادنت إسرائيل فعلياً او ضمناً حين وضعت مصالحها الذاتية قبل “التضامن العربي” السابق. ولكن العنف الإسرائيلي العشوائي، واستمرار قتل الفلسطينيين لأكثر من سنتين وتدمير القطاع، والتصرف بعنجهية ضد الدول الاقليمية، قد عزز من تضامن الشعوب العربية (والرأي العام في الدول الغربية) مع معاناة وتطلعات الشعب الفلسطيني، ما أرغم الدول العربية على مطالبة الرئيس ترامب بالتدخل للجم نتنياهو. وللمرة الأولى، قامت دول حليفة تاريخياً لإسرائيل، مثل المملكة المتحدة وفرنسا وكندا وأستراليا، بتحدي واشنطن والاعتراف رسمياً بالدولة الفلسطينية.

عزلة إسرائيل في العالم، تقابلها عزلة غير مسبوقة في الولايات المتحدة. وتؤكد استطلاعات الرأي المختلفة انحسار التأييد لإسرائيل في المجتمع الاميركي، وخاصة بين الشباب والمثقفين وخاصة في الحزب الديموقراطي. وجاء في استطلاع لصحيفة واشنطن بوست، أن 61 بالمئة من اليهود الأميركيين يقولون إن إسرائيل تمارس جرائم حرب في غزة، و40 بالمئة منهم يعتقدون أن إسرائيل ترتكب حرب إبادة ضد الفلسطينيين. وللمرة الأولى أيد 35 بالمئة الفلسطينيين مقابل 34 بالمئة إسرائيل. وطالب حوالي 60 بالمئة إسرائيل بإنهاء الحرب ضد غزة، حتى إذا لم يتم الإفراج عن الرهائن أو القضاء على حركة حماس. ويعارض حوالي سبعين بالمئة من الناخبين الشباب تزويد إسرائيل بالمساعدات الاقتصادية والعسكرية. وللمرة الأولى، صوتت أكثرية الأعضاء الديموقراطيين في مجلس الشيوخ على وقف تزويد إسرائيل بالأسلحة. هذه الاتجاهات الرافضة للعنف الإسرائيلي العشوائي في أوساط الرأي العام، وحتى في الكونغرس، يمكن أن تؤدي مع مرور الزمن إلى سياسة أميركية أكثر إنصافاً، وأكثر عدلاً في الشرق الأوسط.

The post الشرق الأوسط أمام مفترق طرق appeared first on AGSI.

]]>
34459
عن فلسطين وإسرائيل وإسبرطة https://agsi.org/ar/analysis/of-palestine-israel-and-sparta-arabic/ Thu, 25 Sep 2025 19:52:42 +0000 https://agsi.org/?post_type=analysis&p=34353 اعترافات أوروبية بالدولة الفلسطينية، وزيادة المطالبة بمساءلة إسرائيل دوليا، في حين يسعى نتانياهو إلى مزيد من العسكرة، فهل يقود ذلك إلى عزلة أعمق لإسرائيل على المستوى الدولي؟

The post عن فلسطين وإسرائيل وإسبرطة appeared first on AGSI.

]]>
حولت الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحالية القضية الفلسطينية إلى محور الاهتمام الأساسي لمداولاتها، بدءاً من موافقة 142 دولة على “إعلان نيويورك”، الذي طرحته السعودية وفرنسا، والذي يحدد “خطوات ملموسة وتواريخ زمنية لا يمكن التراجع عنها”، باتجاه حل سياسي مبني على حل الدولتين، وذلك بعد يوم من إعلان رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو أنه “لن تكون هناك دولة فلسطينية”، وبعد إعلان إسرائيل عن بناء مستوطنة ضخمة تجعل قيام دولة فلسطينية متكاملة مستحيلاً.

وفي الوقت الذي تزداد فيه التكهنات باقتراب إسرائيل من الإعلان عن ضم أراض في الضفة الغربية أو الضفة بكاملها، تعهد الرئيس رونالد ترامب، وفقاً لتقارير صحفية، خلال اجتماعه بعدد من القادة العرب والمسلمين في نيويورك أنه لن يسمح لنتنياهو بضم الضفة الغربية، وأن الرئيس الأميركي كان، وفقاً لهذه التقارير الصحفية حازماً في موقفه. لاحقاً، أكد المبعوث ستيف ويتكوف أن الرئيس ترامب قدم للقادة العرب  خطة سلام تتضمن 21 بنداً، وأضاف أنه “خلال أيام سوف نقوم بالإعلان عن اختراق” حول الجهود الرامية إلى وقف القتال في غزة، والافراج عن الرهائن الإسرائيليين.

يوفر “إعلان نيويورك” إطار متكامل للعمل الجماعي لأنهاء الحرب في غزة، ولتحقيق تسوية دائمة عادلة وسلمية للنزاع الإسرائيلي–الفلسطيني، مبني على تطبيق فعال لحل الدولتين. ويشدد الإعلان على إدانة جميع الهجمات من أي طرف ضد المدنيين، وأي أعمال استفزاز وتدمير الممتلكات. كما يذّكر الإعلان إن خطف الرهائن محرم وفقاً للقانون الدولي، ويؤكد رفضه لأي أعمال تؤدي إلى أي تغييرات ديموغرافية أو تتعلق بالحدود، بما في ذلك ارغام السكان الفلسطينيين المدنيين على النزوح من أراضيهم، الأمر الذي يعتبر انتهاكاً سافراً للقانون الإنساني الدولي. وأدان الإعلان الهجمات التي قامت بها حركة حماس ضد المدنيين في إسرائيل في السابع من أكتوبر، ودعا حماس للإفراج عن الرهائن، وإنهاء سلطتها في قطاع غزة. كما أدان الهجمات التي تقوم بها إسرائيل ضد المدنيين في غزة، وتدمير البنية التحتية في القطاع، والحصار وتجويع السكان الأمر الذي ادى إلى كارثة انسانية.

في اليوم الأول لدورة الجمعية العامة، كان قيام دولة فلسطينية وإنهاء الحرب في غزة البند الأول على جدول الأعمال، حيث قرر بعض حلفاء الولايات المتحدة وإسرائيل التاريخيين، مثل فرنسا وبريطانيا، استخدام الجمعية العامة كخلفية للاعتراف رسمياً بدولة فلسطين. واستخدم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون المؤتمر الدولي حول حل الدولتين، الذي رعته فرنسا مع السعودية، لكي يعلن اعتراف فرنسا رسمياً بدولة فلسطين، حيث قوبل الاعلان بتصفيق حار. في المقابل أدان المسؤولون الأميركيون اعتراف حلفائهم بدولة فلسطين، وقال وزير الخارجية ماركو روبيو إن الاعتراف “غير مهم… وبشكل عام لا معنى له”، ويرقى إلى مستوى “مكافأة الارهاب”. ولكن الرئيس ترامب كان أكثر فظاظة في رفضه الاعتراف بدولة فلسطينية، قائلاً، إنه بمثابة مكافأة كبيرة “لإرهابيي حماس على جرائمهم”، مدعياً أن الاعتراف هو “تكريم لحماس” لا يجب القيام به بسبب هجوم السابع من أكتوبر.

يوافق مؤيدو الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية على أن الاعتراف هو خطوة رمزية، وأنه لن يؤدي بسرعة إلى وقف إطلاق النار، أو إنهاء الكارثة الإنسانية، التي يعاني منها المدنيون في غزة. ولكنهم يضيفون إن انضمام دول حليفة تقليدياً للولايات المتحدة وإسرائيل، مثل فرنسا وبريطانيا – دولتان يتمتعان بالعضوية الدائمة في مجلس الامن – إضافة إلى دول، مثل كندا وأستراليا، وهما عضوين في مجموعة الدول الصناعية السبعة، سوف يضع ممارسات إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة تحت المجهر، وسوف يشجع البرلمانات والمجتمعات المدنية ومنظمات حقوق الإنسان في هذه الدول على محاسبة إسرائيل سياسياً وقانونياً امام المحاكم الدولية.

وسوف نجد أن دولاً أوروبية، مثل البرتغال وأسبانيا وألمانيا وإيطاليا، تحذو حذو فرنسا وبريطانيا في مجلس الأمن الدولي في حال انتقادهما للممارسات الإسرائيلية. كما أن اعتراف هذه الدول النافذة عالمياً سياسياً واقتصادياً سيرفع من مكانة الفلسطينيين في المحافل الدولية، بما في ذلك في الأمم المتحدة خلال عملية انتقال محتملة في المستقبل من عضوية فلسطين كمراقب دائم إلى عضو كامل من الناحية العملية، حتى ولو كانت فلسطين لا تسيطر على أرض محددة، أو تملك المقومات الأخرى التي تشكل سيادة الدول.

تؤكد استطلاعات الرأي في الولايات المتحدة انحسار التأييد الشعبي والبرلماني لإسرائيل بسبب هجماتها وحصارها وتجويعها لسكان غزة. وجاء في استطلاع لجامعة كوينيبياك (Quinnipiac University) في أغسطس/آب الماضي أن 60 بالمئة من الناخبين من مختلف الخلفيات السياسية يعارضون مواصلة الولايات المتحدة شحن المزيد من الأسلحة لإسرائيل، بينما وافق 32 بالمئة على مواصلة دعم إسرائيل عسكرياً، وهذا يعتبر أعلى رقم يعارض التحالف العسكري الأميركي-الإسرائيلي وفقاً للمسؤولين عن الاستطلاع. أما معارضة دعم إسرائيل عسكرياً فإنها تصل إلى 75 بالمئة في أوساط الناخبين الديموقراطيين، مقابل 18 بالمئة يؤيدون مثل هذا الدعم. ووفقاً للاستطلاع، يوافق 50 بالمئة من الأميركيين مع الرأي السائد في المجتمع الدولي ان إسرائيل ترتكب حرب إبادة في غزة.

وحتى في مجلسي الكونغرس، تواجه إسرائيل معارضة متزايدة لهجماتها العسكرية وحصارها لغزة. ووقع 49 نائباً على مسودة قرار يقضي بمنع تزويد إسرائيل بالقنابل. وأعلنت كتلة النواب التقدميين في المجلس، والتي تضم حوالي مئة عضو، عن تبنيها لمشروع القرار. أما في مجلس الشيوخ، فقد قدم السناتور الديمقراطي بيرني ساندرز مشروعي قرارين لحظر الأسلحة عن إسرائيل، الأول يقضي بمنع تزويدها بالبنادق الهجومية، وحصل على تأييد 27 سناتور ديموقراطي، (أي أكثرية الأعضاء الديموقراطيين في مجلس الشيوخ)، والثاني يقضي بحظر بيعها أسلحة بقيمة 675 مليون دولار، وحظي بتأييد 24 سناتور ديموقراطي.

وحتى في أوساط المثقفين والسياسيين السابقين، هناك انتقادات متزايدة لحرب إسرائيل ضد غزة، وللاعتراف بدولة فلسطينية مستقلة. وقبل أسبوعين نشر المسؤول السابق في وزارة الخارجية، والرئيس السابق لمجلس العلاقات الخارجية ريتشارد هاس (الجمهوري) مقالاً في مجلة فورين أفيرز بعنوان “الدولة الفلسطينية سوف تكون جيدة لإسرائيل” قال فيه إن عدم قيام دولة فلسطينية مستقلة كجزء من سلام إقليمي متكامل فهذا يعني إن إسرائيل سوف تبقى دائماً في حالة حرب، وأكد فيه إن إسرائيل لم تعد مهددة من أي طرف أو أطراف إقليمية. وشدد هاس على أن حل الدولتين يقترب من نهايته، وأن مصلحة الولايات المتحدة وإسرائيل تقضي “بقيام دولة فلسطينية قبل أن تختفي هذه الإمكانية إلى الأبد. حرفياً إما الآن أو أبدا”.

الاعتراف الدولي بدولة فلسطين سوف يصطدم أولا بالمعارضة القوية من جانب إسرائيل والولايات المتحدة، وبعدها بعجز وترهل وفساد السلطة الفلسطينية وهامشيتها كسلطة فعالة، والتي وصلت إلى حافة الانهيار المالي ما أرغم أجهزة السلطة على تخفيض خدماتها، بما فيها الخدمات التعليمية والصحية، ووصول معدلات البطالة إلى 30 بالمئة.  ووفقا لاستطلاع رأي اجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، الذي أسسه ويديره الباحث خليل الشقاقي في مايو/أيار الماضي، أن 81 بالمئة من الفلسطينيين يطالبون باستقالة الرئيس محمود عباس، وأن 69 بالمئة منهم يرون أن الحكومة الجديدة التي عينها الرئيس عباس في 2024 لن تنجح في تحقيق الاصلاحات الضرورية التي فشلت في تحقيقها الحكومة السابقة.

إذا واصلت إسرائيل سياساتها العدائية والتوسعية، وخاصة إذا قامت بضم الضفة الغربية أو جزءاً منها، فإنها ستجازف بزيادة عزلتها الدولية والعداء لها. وسوف تتعرض الدول الديموقراطية، التي اعترفت بالدولة الفلسطينية خلال الدورة الحالية للجمعية العامة،  لضغوط متزايدة من برلماناتها ومن مجتمعاتها لفرض عقوبات اقتصادية أو حظر بيعها الأسلحة، أو سحب استثماراتها من إسرائيل. وعلى الرغم من مركزية العلاقات مع الولايات المتحدة بالنسبة لإسرائيل، فإن الاتحاد الأوروبي يبقى المستثمر الأكبر في الاقتصاد الإسرائيلي، والشريك التجاري الأكبر لإسرائيل. وللتدليل على أن هذه التوقعات أصبحت في حيز الممكن، فقد قام صندوق الثروة السيادية في النروج، والبالغة قيمته تريليوني دولار، بسحب استثماراته من شركة كارتيبيلار (Caterpillar) الأميركية في الشهر الماضي، لأن إسرائيل تستخدم معدات هذه الشركة في هدم المنازل في غزة والضفة الغربية، معتبراً أن ذلك يشكل “مجازفات غير مقبولة”. كما سحب الصندوق استثماراته من خمسة مصارف إسرائيلية، “لأنها تقدم الخدمات المالية لتمويل بناء المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، التي تعتبر غير شرعية وفقاً للقانون الدولي”.

اعترف بنيامين نتنياهو في الأسبوع الماضي أن عزلة إسرائيل الدولية تزداد، وأشار إلى ازدياد ما اسماه العداء الأوروبي لإسرائيل، ونفوذ “الأقليات المسلمة المتشددة” على السياسة الأوروبية الخارجية، وحذر الإسرائيليين أن بقائهم على قيد الحياة يتطلب اقتصاداً جديداً، وواقع استراتيجي مختلف. وأضاف، “نحن بحاجة إلى اعتماد اقتصاد اكتفائي… وإذا أردنا البقاء على قيد الحياة علينا أن نضمن قدرتنا على إنتاج ما هو ضروري للأمن القومي، وخاصة إنتاج الأسلحة. نحن أثينا وإسبرطة، وربما سوبر-إسبرطة. ليس لدينا خيار آخر”.

تعتبر إسبرطة أول مجتمع عسكري في التاريخ، وعاشت في حالة حرب دائمة ضد جيرانها من الولايات اليونانية الأخرى، وضد المستعبدين الكثر فيها، والمعروفين باسم هوليس (helots) الذين كانت تأسرهم إسبرطة من الأراضي التي تحتلها. هذه الأكثرية من المستعبدين كانت تقوم بأعمال الزراعة والأنواع الأخرى من العمالة، الأمر الذي يسمح لمواطني إسبرطة بأن يكرسوا أنفسهم للتدريب العسكري والإدارة السياسية. وعلى الرغم من قوتها العسكرية، فإن إسبرطة كانت تعيش دائما في حالة انعدام الثقة. في المقابل، كانت أثينا التي أعطت العالم القيم الديموقراطية (وإن بشكل ناقص)، ولاية غنية ومنفتحة وتعتمد اقتصاداً مبنيا على التجارة، أي النقيض الوجودي لإسبرطة. وقد انتهت “حرب البوبولينيز” بين إسبرطة وحلفائها وأثينا وحلفائها، والتي استمرت لسبعة وعشرين سنة، بهزيمة أثينا.

ادعاء نتنياهو أن إسرائيل هي إسبرطة وأثينا معاً غير صحيح وغير تاريخي، وهو يحضّر إسرائيل لأن تكون مجتمعاً عسكرياً معزولا ومنغلقاً عن العالم، وأن تكون “سوبر إسبرطة”. وإذا اختار نتنياهو وأنصاره مثل هذا المثال، فإنه يجازف بسقوط إسرائيلي مماثل لسقوط إسبرطة، الذي جاء نتيجة لتضافر عناصر مختلفة، أهمها إعطاء الأولية للقوة العسكرية بدلاً من تطوير الاقتصاد، وللانحسار الكبير في عدد مواطني إسبرطة (مقارنة بأكثرية المستعبدين) والفساد الإداري، والنظام العبودي، والجمود الاجتماعي الذي زاد من صعوبة تأقلمهم مع المتغيرات السياسية حولهم، وتفاقم كلفة الحروب، وهي عوامل قلصت من قدرة إسبرطة على السيطرة على كامل أراضيها، وجعلها مكشوفة أمام اعدائها، ما أدى إلى انهيار هيمنتها العسكرية على المدن اليونانية الأخرى في سنة 371 قبل المسيح.

من الواضح إن بعض العناصر التي أدت إلى انهيار إسبرطة اليونانية، تهدد “السوبر-إسبرطة” الإسرائيلية إذا استمرت على نهجها العبثي.

The post عن فلسطين وإسرائيل وإسبرطة appeared first on AGSI.

]]>
34353