السعودية - AGSI Arab Gulf States Institute Tue, 13 Jan 2026 20:39:24 +0000 ar hourly 1 https://wordpress.org/?v=6.8.3 https://agsi.org/wp-content/uploads/2024/09/cropped-Vector-32x32.png السعودية - AGSI 32 32 244825766 عمار الصبان: سوبرمان بلهجة سعودية https://agsi.org/ar/analysis/ammar-alsabban-superman-with-a-saudi-accent-arabic/ Wed, 23 Jul 2025 13:55:20 +0000 https://agsi.org/?post_type=analysis&p=33699 من خلال شغفه المتنوع بفن الدُمى والبودكاست والأبطال الخارقين، يُعيد الفنان عمار الصبان تعريف حدود الإبداع في الهوية السعودية.

The post عمار الصبان: سوبرمان بلهجة سعودية appeared first on AGSI.

]]>
طوال فترة طفولته، كان والدا عمار الصبان قلقين عليه وعلى مستقبله. وبصرف النظر عن مدى تشجيع الأستاذين الجامعيين لابنهما على التركيز على دراساته ومستقبله المهني، فقد دأب بانتظام على مشاهدة التلفاز، أو ممارسة ألعاب الفيديو، أو الرسم، أو الاستغراق في أحلام اليقظة. ومن وجهة نظر عائلته هذه أمور لم تكن واعدة مهنياً. ولكن بعد عقود من الزمن، أصبحت هذه السلوكيات، التي أقلقت والديه في يوم من الأيام، بمثابة الأسس التي جعلته إنساناً مبدعاً وناجحاً، يقدم الترفيه التعليمي للناس من جميع الأعمار في المملكة العربية السعودية وفي جميع أنحاء العالم. وقد تضمنت مسيرته المهنية منذ عام 2013 وظائف متنوعة، مثل تحريك الدُمى في النسخة العربية من برنامج “إفتح ياسمسم”، وإنتاج برامج البودكاست “مستدفر” و “كرتون كرتون”، وقصص الأبطال الخارقين “أسطورة سليمان”. وتأتي هذه الأنشطة الإبداعية منسجمة مع الخطط السعودية اليوم: رؤية 2030، والتي أطلقها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في عام 2016، والهادفة لتحويل الاقتصاد السعودي من الاعتماد على صادرات الطاقة لتشمل الفنون كركيزة للتنمية وأداة لتجديد الهوية السعودية.

أخبر عمار معهد دول الخليج العربية أنه عندما كان صبياً، حلم بالمشاركة في العروض التلفزيونية والرسوم المتحركة التي كان يشاهدها، وغالباً ما كان يحفظ ويعيد تمثيل المشاهد التي كان يشاهدها في “حكايات بطوطية”، والرسوم المتحركة اليابانية (مدبلجة باللغة العربية)، ودُمى “ذي مابتس شو”، و“إفتح ياسمسم” وغيرها من العروض التلفزيونية. كان يتخيل نفسه كشخصية كرتونية أو كأحد محركي الدُمى في برنامج “ذي مابتس شو”. وقال إنه كان يمضي ساعات في التفكير في “آلية تحريكهم للفم، وإيماءات اليدين، وكان يراوده مليون سؤال”. وكان يهيم في حب عمل فنان التمثيل الصوتي ميل بلانك، الممثل الأمريكي الذي كان يؤدي أصوات “باجز باني” و “دافي داك” وشخصيات “لوني تيونز” الأخرى. بيد أن شغف عمار واهتماماته لم تترجم كما يجب في أعماله المدرسية، لأنه، كما أوضح للمعهد، “كان يحب التعلم، لكنه لم يكن مرتاحاً في نطاق الفصل الدراسي التقليدي”. وأضاف أن استياءه من التعلم التقليدي كان كبيراً جداً، لدرجة أنه أقنع والديه بالسماح له بالدراسة “لمدة عامين للحصول على دبلومة في الهندسة الميكانيكية وتخطي الجامعة”، لأنه “كان يحب العمل اليدوي”. اقترح عليه خاله الالتحاق بكلية تصاميم البيئة في جامعة الملك عبدالعزيز – والهندسة المعمارية مهنة رأى عمار أنها ستسمح له بالتعبير عن إبداعاته بطريقة ستكون مقبولة لدى والديه والمجتمع.

لم تتحقق تلك الآمال، وفي عام 2013، بعد 11 عاما من العمل كمهندس معماري، ترك عمار وظيفته اليومية، وركز على حلم طفولته، المتمثل بالعمل في مجال الترفيه. شاهد كل الفيديوهات التعليمية التي تمكن من العثور عليها حول تحريك وصناعة الدُمى، ولا سيما تلك التي يظهر فيها جيم هينسون، المؤسس المشارك لبرنامج “ذي مابتس شو” وشخصية محورية في برنامج “افتح يا سمسم”. سافر إلى الولايات المتحدة، حيث التحق ببرنامج مكثف للحصول على تدريب احترافي في تحريك الدُمى. وفي غضون عشرة أيام فقط، في سان فرانسيسكو، أكمل دورة تدريبية مدتها شهران حول تصميم وصناعة الدُمى وتحريكها في البرامج التلفزيونية. أجرى معلمه، وهو محرك الدُمى المخضرم مايكل إيرل، الذي عمل في برنامج “إفتح ياسمسم” في ثمانينات القرن الماضي، مقارنة بين عمله وعمل الشاب جيم هينسون.

(الصورة من عمار الصبان)

في جدة، صنع عمار نسخته الخاصة من برنامج “ذي مابتس شو” وبرنامج “افتح يا سمسم”. وقام بصناعة شخصياته الخاصة، بما في ذلك شخصية عفروت، أو رجل الثلج “يتي” الذي تخيل عمار أنه هاجر إلى جدة مع عائلته من جبال الهيمالايا. كتب سيناريوهات لدميته، ونشر مقاطع فيديو على اليوتيوب لعروض الدُمى التي يقدمها، وسعى للعمل مع المستشفيات والمدارس، وغير ذلك من الشركاء المجتمعيين. على الرغم من أنه كان يروج لرؤية تعليمية ترفيهية على غرار ما كان يشاهده على التلفاز – من أعمال تعليمية شاملة وصديقة للأسرة – إلا أنه لم يلق ترحيباً واعداً في البداية. وقال إن المجتمع “لم يكن مهتم بالدُمى المتحركة” في ذلك الوقت. لم يكن هذا النوع من الفن يحظى بشعبية كبيرة في المملكة آنذاك، وهذا ما اضطره لإنشاء سوق لعمله من الصفر. قام بتأدية باكورة أعماله مدفوعة الأجر في إحدى حفلات أعياد الميلاد. ومع ذلك، حصل عمار على حوالي 280 ألف ريال سعودي (75 ألف دولار أمريكي) خلال الأشهر الثمانية الأولى من مسيرته الجديدة، وهو مبلغ كبير من المال في ذلك الوقت لهذا النوع من الفنون الاستعراضية في المملكة.

(عمار الصبان مع مارتن روبنسون)

وفي الوقت نفسه، انتشرت فيديوهات عمار، خاصة تلك التي تظهر فيها شخصية عفروت، على وسائل التواصل الاجتماعي كالنار في الهشيم، الأمر الذي ساعده في الحصول على وظيفة في عام 2015 مع مؤسسة بداية للإعلام في أبوظبي. وهناك، انضم إلى العمل على إعادة إنتاج برنامج “افتح يا سمسم“، وهو النسخة العربية من “شارع سمسم” الذي تم بثه لأول مرة في الفترة 1979-1990، والذي كان يشاهده عمار في طفولته. وكجزء من تدريباته للوظيفة الجديدة، سافر إلى نيويورك للدراسة على يد مارتن روبنسون، واحد من أكبر الموهوبين في مجال تحريك الدُمى في “شارع سمسم”. حصل عمار على لقب “الأعسر” في نيويورك من صانعي الدُمى في “شارع سمسم” لأنه كان أول محرك دمى أعسر يستخدم دمية كعكي (Cookie Monster). في برنامج “افتح يا سمسم”، عمل عمار كمخرج إبداعي، وكتب سيناريوهات ست حلقات من أصل 100 حلقة، وأدى أصوات شخصيات متعددة، بما في ذلك غرغور وكعكي. لقد كان هذا عملاً صعباً، فقد تطلب العمل إنتاج رسائل إيجابية وتعليمية واضحة باللغة العربية، وتناسب العالم العربي بأسره. وكان لا بد أن تكون العروض فكاهية أيضاً لتحظى باهتمام جمهور الصغار. وهكذا أثمرت أخيراً الأنشطة التي كان يخشى والداه ذات يوم أن تكون عديمة الجدوى. ومن ملاحظاته في عام 2018، “نشأتي على مشاهدة “ذا مابتس شو” و”افتح يا سمسم” بشغف دائم منحتني الأفضلية التي أتمتع بها اليوم”. وبعد مرور عام قال لـصحيفة “عرب نيوز” إنه يعيش “حلم طفولته”.

(صورة من عمار الصبان مع شخصية كعكي)

إلا أن ضغوط العمل في برنامج “افتح يا سمسم”، والعيش بعيداً عن عائلته في جدة، أقنعت عمار بعدم تجديد عقده مع مؤسسة بداية للإعلام في عام 2019، والعودة إلى وطنه للتركيز على العمل الحر في السعودية. قبل خمس سنوات، كان هو وصديقه رامي طيبة قد ابتكرا برنامج “مستدفر”، وهو من أوائل برامج البودكاست الحوارية الترفيهية في السعودية. جاء عنوان البرنامج من كلمة “دافور”، وهي كلمة عربية عامية تعني شيئاً ما بين “متفوق” و”مهووس”، في إشارة لنهجه غير المألوف ونظرته الفريدة. وفي حين كان عمار يستنبط صيغةً لكيفية تقديم برنامج “مستدفر”، وكيف ينبغي أن يبدو للمستمعين، تذكر عمار الاستماع إلى برنامج “كار توك” – وهو برنامج مكالمات إذاعية أمريكي تبثه القنصلية الأمريكية في السعودية من جدة. كان كل من توم وراي ماجليوزي يقدمان البرنامج، الذي كان يُبث من عام 1977 إلى عام 2012، وهما أخوان أمريكيان من أصل إيطالي يمتلكان محلاً لتصليح السيارات في إحدى ضواحي بوسطن، وكانا يسديان النصائح للمستمعين حول كيفية إصلاح سياراتهم. وقد كانت الدعابة هي جوهر البرنامج بين الأخوين ماجليوزي. ففي كل حلقة، كانا يسخران من بعضهما بعضاً، ويرويان النكات والقصص الفكاهية أثناء تفاعلهما مع المستمعين.

كان البرنامج نموذجاً مثالياً لعمار، لأن “كار توك” كان نسخة للكبار من برنامج التعليم الترفيهي الذي أنتجه بنجاح للأطفال باستخدام الدُمى. في برنامج “مستدفر”، استعار هو وشريكه رامي طيبة، الشريك المؤسس، صيغة البرنامج الأمريكي، ولكنهما أعطياه الصبغة السعودية. فبدلاً من تقديم النصائح للمستمعين حول إصلاح السيارات، ركّزا على السعودية والمواضيع التي يجدانها مع الشباب السعوديين الآخرين مثيرة للاهتمام في حياتهم اليومية. وتحدثا إلى جمهورهما بـ “العربليزية” (Arablish)، وهي مزيج من اللغتين العربية والإنجليزية، وهي اللغة التي يستخدمها أيضاً العديد من مستمعيهما – وهو الخيار الذي منحهما المصداقية تماماً مثل اسم البرنامج. واستخدم عمار وأصدقاؤه كذلك الموسيقى والنكات، تماماً كما فعل توم وراي ماجليوزي في برنامج “كار تواك” لملء الفجوات في الحوار. وبحلول عام 2016، أصبح برنامج “مستدفر” أحد برامج البودكاست الأكثر شعبية في السعودية، حيث أطلق المعجبون على أنفسهم “دوافير”.

بعدما انطلق أول بودكاست له، كان عمار قد بدأ بالعمل على “كرتون كرتون“، وهو بودكاست قام بتطويره مع عبد الله رافعة. وقد أمضى الرجلان، اللذان عملا معاً في برنامج “افتح يا سمسم”، واشتركا في العيش في شقة في أبوظبي، ساعات في مناقشة حَبْك وتأليف القصص والشخصيات، وإنتاج أفلام الكرتون المفضلة لديهما. في عام 2017، قاما بتحويل محادثاتهما إلى برامج بودكاست استقبلها الجمهور بشغف داخل السعودية، بالإضافة إلى آلاف السعوديين وغيرهم من مواطني دول الخليج، الذين يعيشون في الخارج. أصبح هؤلاء المستمعون مجتمعاً متماسكاً بشدة، واعتمدوا اسم “كراتين” (جمع كرتون)، واستضافوا حفلات الاستماع لـ “كرتون كرتون” الخاصة بهم عبر الإنترنت وبشكل شخصي. وقد ضغطوا على عمار وعبد الله لإقامة تسجيل مباشر، وفي الذكرى السنوية الثانية للبرنامج، نظم الرجلان فعالية في جدة حضرها أكثر من مئة شخص.

أثناء التسجيل المباشر لبرنامج “كرتون كرتون” تأثر المعجبون عندما وجدوا أشخاصاً آخرين، مثل عمار، قد يكونون يعانون من الحرج الاجتماعي، ولكنهم يشاركون عمار وعبد الله اهتمامهما الخاص بالرسوم المتحركة. أصبح الكثيرون منهم أصدقاء مقربين. وفي الفعاليات اللاحقة، استمع عمار لقصص حول كيفية تأثير البودكاست بشكل إيجابي على حياة المستمعين، بما في ذلك بعض الذين كانوا على وشك الانتحار، ولكن من خلال العرض، أدركوا أنهم ليسوا وحدهم في العالم، وأن هناك آخرين مثلهم. أوضح عمار في مقابلة عام 2023 أن “أحد الأسباب الرئيسية التي تدفعنا للقيام بما نقوم به هو أننا لا نريد أن يشعر الناس بالوحدة”.

في تلك الأثناء، كانت مشاريع عمار الإبداعية المختلفة قد انطلقت. فقد شارك في تأسيس شبكة للبودكاست، تنتج ما يزيد على 13 بودكاست أسبوعياً، وتم اختياره كجزء من الدفعة الأولى لبرنامج قادة مسك 2030، وكتب قصصاً للأطفال، وأقام شراكة جديدة مع مبدعين أمريكيين. وفي ندوة عقدت في معرض جدة للكتاب في عام 2021، أقام صداقة مع بن إيرل، وهو كاتب قصص مخضرم يعمل لصالح شركة مارفل، والذي عمل على إنتاج قصة “سبايدرمان في الحي الخطر” وقصة “المستذئب ليلاً”. اتفق عمار مع بن على أن هناك سوقاً عالميةً لا تصلها القصص الموجهة للأطفال والشباب، والمتجذرة في ثقافة وأساطير الشرق الأوسط. راودهما الاعتقاد بأن شركة تخدم هذا السوق مع “محتوى مماثل لمحتوى شركة مارفل، ولكن بطابع شرق أوسطي” يمكن أن تساعد في سد الفجوات بين المجتمعات، ما دفعهم لتأسيس شركة ((WeirdBunch Entertainment؛ وهي الأستوديو الذي يحظى اليوم بتمويل سعودي وأمريكي، ويدير مكاتب في جدة ونيويورك ولوس أنجلوس. ومن بين مؤسسيه عمار وبن، إلى جانب كيث فاي، الذي أخرج مسلسلات لشبكة “كرتون نتوورك” من عام 2013 وحتى عام 2022، وعبد الله الصبان، شقيق عمار الأكبر، الذي تبوأ مناصب قيادية في كبريات الشركات السعودية، مثل شركة باندا، واحدة من أهم سلاسل المتاجر الكبرى في البلاد.

(صورة من عمار الصبان مع بي إيرل، يساراً، ونيكولاس سميث، يميناً.)

كتب عمار المشروع الافتتاحي للأستوديو، أسطورة سليمان (The Legend of Soloman)، وهي أول قصة عن قوى خارقة لعائلة سعودية. تدور أحداث القصة في المملكة عام 2050، وتروي قصة سليمان، الفتى المتمرد ذي الأربعة عشر ربيعاً، والمرتبط مع والده بعلاقة متوترة؛ والده عضو هيئة تدريس جامعي متخصص في الجيولوجيا، ويريد من ابنه أن يتقن دليلاً مكوناً من 400 صفحة قبل أن يستخدم قواه الخارقة لخدمة المجتمع. لكن سليمان لديه أفكار أخرى، حيث يتوجب على الأب والابن أن يتعلما العمل معاً لمحاربة لعنة ظلماء. وقد قامت مجموعة “WeirdBunch Entertainment” بالفعل بإنشاء نسخة قصصية مصورة من “أسطورة سليمان” باللغة العربية بالإضافة إلى نسخة لعبة إلكترونية تجريبية يمكن أن تُلعب على الهاتف المحمول، وتعتزم المجموعة كذلك تحويلها إلى فيلم ومسلسل كرتوني، مع توفير نُسخٍ باللغتين الإنجليزية والعربية. في المستقبل، يأمل عمار أن تتوسع الشركة لتروي قصصاً ليس فقط من الشرق الأوسط، وإنما أيضاً من كل أنحاء العالم.

ويسير هذا العمل على خطى مبدعين سعوديين آخرين، مثل مالك نجر، مخرج المسلسل الكرتوني السعودي “مسامير“، الذي ظهر صوت عمار كممثل في آخر أفلامه “مسامير جونيور“. كما تعاون مالك وفريقه مع منتجي رسوم متحركة صينيين وسعوديين لجلب “ني زها 2“، وهي سلسلة أفلام رسوم متحركة حول المغامرات الخيالية، وحققت نجاحاً على شاشات الشرق الأوسط في صيف 2025. نظراً لأن العديد من المشاهدين العرب ليسوا على دراية بالأساطير الصينية، أوضح مالك لوكالة شينخوا أنه “وفَّق بين كل قبيلة على الشاشة مع لهجة عربية مميزة”، وبحث عن أوجه تشابه ثقافية موازية عندما لم يكن هناك مرادف دقيق للمفاهيم في العالم العربي. في نهاية المطاف، فإن الفيلم الذي سيراه المشاهدون في المسارح العربية هو، كما قال مالك، “ني زها 2” ولكن “بلهجة سعودية“.

تعكس هذه الشراكات العابرة للثقافات المبادئ التي لطالما روّج لها عمار الصبان في أعماله، كما تُجسد الكيفية التي يرى بها هو ومالك، وسائر المبدعين السعوديين أنفسهم، مكانتهم في العالم المعاصر. يتخيل العديد من هؤلاء السعوديين العالم الخاص بهم، ويعبرون عن أنفسهم بفنونهم ومظاهر حياتهم الأخرى من خلال فن الكولاج. إن تجسيد صورة عمار على وسائل التواصل الاجتماعي وهو يرفع ثوبه ليكشف عن قميص أزرق مطبوع عليه حرف “S” باللون الأحمر، يذكرنا بصورة سوبرمان الأيقونية، وهو يتحول من شخصيته البديلة “كلارك كنت” إلى بطل خارق. يقول عمار لمعهد دول الخليج العربية، “لا تتبع شغفك؛ وإنما حدد هدفك، واستخدم الشغف لمساعدتك في تحقيقه”. وهذا ما فعله عمار بشغف كبير لأكثر من عقد من الزمن، وبرز كأحد أكثر فناني السعودية ديناميكية وحيوية.

The post عمار الصبان: سوبرمان بلهجة سعودية appeared first on AGSI.

]]>
33699
ترامب يتخطى ثوابت أميركية في الشرق الأوسط https://agsi.org/ar/analysis/trump-transcends-traditional-u-s-policy-in-arabic/ Thu, 22 May 2025 19:46:17 +0000 https://agsi.org/?post_type=analysis&p=30230 في جولته الخليجية، تجاوز ترامب ثوابت السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، مفضلاً المصالح الاقتصادية والتقارب الإقليمي على خطاب الديمقراطية والتدخل الخارجي.

The post ترامب يتخطى ثوابت أميركية في الشرق الأوسط appeared first on AGSI.

]]>
تميزت جولة الرئيس دونالد ترامب الخليجية بأنها تخطت بعض ما كان يعتبر من “الثوابت” الأميركية التقليدية، التي اعتمدها معظم الرؤساء الأميركيين في العقود الأخيرة. جاء ترامب إلى المنطقة لا ليحقق اختراقات جيواستراتيجية، وإن كان يعتبر لقائه بالرئيس السوري أحمد الشرع ورفع العقوبات عن دمشق، تطور سياسي هام وايجابي، وكذلك عرض “غصن زيتون” على إيران، إلا أن ترامب جاء لتعزيز العلاقات التجارية والاقتصادية والعسكرية بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية وقطر ودولة الإمارات العربية المتحدة، وجذب الاستثمارات الخليجية إلى الولايات المتحدة، واحتواء النفوذ الصيني في منطقة الخليج.

الحفاوة ومراسم وطقوس الاستقبال، التي شملت الهجانة والخيالة والرقص بالسيوف، التي لا يشهدها ترامب في زياراته الدولية الأخرى، جعلته يشعر وكأنه في بيئته، كما كان واضحاً من تصريحاته وتعليقاته ولغته الجسدية. خلال وجوده في الرياض والدوحة وأبوظبي، أعلن الرئيس ترامب عن عدد من الصفقات الاستثمارية، وعلى صفقة أسلحة ضخمة للسعودية بقيمة 142 مليار دولار، إضافة إلى تأكيد استعداد السعودية لاستثمار 600 مليار دولار في الولايات المتحدة، وبناء أكبر مجمع للذكاء الاصطناعي في العالم، في دولة الإمارات، واستعداد أبوظبي لاستثمار 1.4 ترليون دولار خلال العشر سنوات القادمة، والإعلان عن رغبة قطر بشراء 210 طائرة ركاب من شركة بوينغ الأميركية بقيمة 96 مليار دولار، وغيرها من الاتفاقات ومذكرات التفاهم.

سياسياً، يظل خطاب الرئيس ترامب في بداية جولته في الرياض أهم ما حمله الرئيس الأميركي لقادة الدول التي زارها، حيث أنه ندد، عملياً، بجزء كبير من الإرث السياسي لأسلافه في المنطقة. قبل أكثر من عشرين سنة حين غزت الولايات المتحدة العراق لبناء نظام ديموقراطي على ضفاف دجلة، قال الرئيس الأسبق جورج بوش الابن، إن “السياسة الأميركية في العقود المقبلة يجب أن تركز على قضية الحرية في الشرق الأوسط”. وحين أدت الانتفاضة الشعبية في مصر إلى إقالة الرئيس حسني مبارك في 2011، سارع الرئيس باراك أوباما إلى القول إن هذا التطور يجب أن يؤدي إلى “ديموقراطية حقيقية” في مصر، تشمل حماية حقوق المواطنين المصريين، وإلغاء نظام الطوارئ، وإعادة صياغة الدستور، وفتح الطريق لإجراء انتخابات حرة ونزيهة. مواقف الرئيسين بوش وأوباما، مبنية على ما أسسه الرئيس هاري ترومان، الذي أشرف على انتصار الولايات المتحدة وحلفاؤها في الحرب العالمية الثانية وبداية الحرب الباردة مع الاتحاد السوفياتي، حين دعا فيما عرف لاحقاً “بمبدأ ترومان” إلى دعم الحرية في دول مثل تركيا واليونان، للتصدي للنفوذ الشيوعي المتنامي في البلدين.

دفن الرئيس ترامب هذا الإرث الأميركي رسمياً، حين قال لجمهوره إن الولايات المتحدة ستتوقف عن “إلقاء المحاضرات عليكم، حول كيف يجب أن تعيشوا”. وأدان ترامب سياسة حزبه الجمهوري التي انتهجها الرئيس الجمهوري الأسبق جورج بوش الابن، والداعية إلى “بناء الأمم”، حين قال، “في نهاية المطاف، الذين يسمون أنفسهم بناؤو الأمم حطموا أمم أكثر مما بنوا”، وتابع، “ودعاة التدخل كانوا يتدخلون في مجتمعات معقدة أخفقوا حتى في فهمها”. وحض ترامب شعوب المنطقة أن يقرروا مصيرهم وفق ما يناسبهم.

ولم يتردد الرئيس ترامب في انتقاد أسلافه، حين اشار إلى أن “العديد من الرؤساء الأميركيين الذين كانوا يعانون من التفكير الخاطئ، الذي يدعي أننا قادرون على أن ننظر في نفوس القادة الأجانب، وأن نستخدم السياسة الأميركية لنشر العدالة للتعويض عن خطاياهم.”

من الصعب وصف ما قاله ترامب في السعودية ” بمبدأ ترامب”، لأن موقفه ” الحيادي” مما يجري في مجتمعات المنطقة انتقائي، ولا يسري بالضرورة على المجتمعات الأخرى، كما نرى من انتقاداته “ومحاضراته” ونائبه جي دي فانس على قادة دولة حليفة وعضو في حلف الناتو، مثل المانيا، لأنها تنبذ الحزب اليميني المتطرف “البديل لألمانيا”. بل إن نائب الرئيس فانس خلال زيارته إلى ميونيخ، اجتمع برئيس هذا الحزب. كما ألقى ترامب “محاضرة” علنية على رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا، عندما زاره في البيت الأبيض، حول احترام حقوق مواطنيه، واتهمه زوراً بالقيام “بحرب إبادة” ضد الأقلية البيضاء، والاستيلاء بالقوة على أراضي المزارعين البيض، وهي تهم باطلة في معظمها.

المفارقة هي أن ترامب بتنديده بسياسات أسلافه في الشرق الأوسط، يوافق على ما يقوله منتقدو سياسة التدخل الأميركية منذ عقود – وخاصة في أوساط اليساريين العرب – التي وصلت إلى ذروتها عقب الغزو الأميركي للعراق، وتبني الرئيس الأسبق بوش الابن، لما سمي آنذاك “أجندة الحرية”، والمبنية في جزء كبير منها على إجراء الانتخابات في دول لا توجد فيها مجتمعات مدنية متطورة، تشمل الأحزاب ووسائل الاعلام والجمعيات والمنظمات المستقلة، التي يفترض أن تقوم بدور الوسيط بين المواطن والسلطة. وأدت بعض الانتخابات المبكرة في بعض هذه الدول إلى فوز الأحزاب الاسلامية، بصفتها الأحزاب الوحيدة ذات التنظيم الجيد، وجلبت على سبيل المثال حركة حماس الاسلامية إلى السلطة في قطاع غزة، وأوصلت أول رئيس إسلامي إلى السلطة في مصر.

ولكن الرئيس ترامب، الذي قال أيضاً إنه لا يؤمن بوجود ما يسمى “بالأعداء الدائمين”، واصل سلوكه غير التقليدي، حين فاجأ حتى بعض أعضاء وفده، وأعلن عن خطوة جريئة يطالب بها قادة وشعوب معظم دول المنطقة، تقضي بإلغاء سلسلة العقوبات الاقتصادية القاسية، التي فرضتها الحكومات الأميركية السابقة ضد سوريا، لأن العقوبات كانت قاسية جداً، كما قال ترامب، وأضاف، “أشعر بقوة إن (إلغاء العقوبات) سوف يعطيهم الفرصة” لتخطي الأوضاع الاقتصادية السيئة في سوريا، التي شهدت حرباً أهلية حصدت مئات الآلاف من القتلى المدنيين. وكان ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وغيره من قادة الخليج، إضافة إلى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، قد حضوا ترامب على إلغاء العقوبات على سوريا.

المفاجأة الثانية المتعلقة بسوريا، كانت في موافقة الرئيس ترامب على الاجتماع مع الرئيس السوري أحمد الشرع، بحضور ولي العهد السعودي والرئيس التركي أردوغان، الذي شارك في الاجتماع الذي استمر لنصف ساعة بالهاتف من أنقرة. وخرج الرئيس ترامب من الاجتماع بانطباع ايجابي عن الرئيس السوري، الذي وصفه ترامب بأنه ” شاب جذاب، وله ماض قوي جداً، ومحارب”.

ووفقاً لملخص عن الاجتماع أصدره البيت الأبيض، قال ترامب للشرع إن “أمامه فرصة عظيمة لتحقيق شيء تاريخي لبلاده.” وحضه على اتخاذ الخطوات التي تؤدي إلى تطبيع العلاقات مع إسرائيل، والتخلص من الإرهابيين الأجانب في بلاده.

قبل أيام، قال وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو، إن بلاده تدرس إمكانية إعادة فتح السفارة الأميركية في دمشق، بعد توفر الإجراءات الأمنية. من الصعب جداً تخيل رئيس أميركي آخر يمكن أن يُحدث مثل هذا التطور الايجابي السريع مع دولة مثل سوريا، التي تميزت علاقتها بالولايات المتحدة بالتوتر منذ عشرات السنوات.

وانطلاقاً من مقولة لا يوجد هناك أعداء دائمين، قدم ترامب خلال جولته الخليجية “غصن زيتون” إلى إيران في حال التوصل إلى اتفاق نووي شامل مع طهران، وتفادي المواجهة العسكرية. وقال خلال زيارته للسعودية “إذا استطعت تحقيق اتفاق مع إيران، فإنني سأكون سعيداً جداً، لأن ذلك سيجعل منطقتكم والعالم أكثر أمناً”. وكرر ترامب القول انه يريد أن يرى إيران دولة ناجحة، إذا تم التوصل إلى اتفاق نووي، لأن ذلك سيؤدي بدوره إلى إلغاء العقوبات الأميركية وانتهاء حالة العداء بين البلدين منذ 1979.

عدم توقف ترامب في إسرائيل عكس فتور العلاقات بين ترامب ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ومع إن المسؤولين الأميركيين قالوا إن ترامب لم يقصد عزل نتنياهو، إلا أن ما فعله وقاله الرئيس الأميركي خلال جولته يمكن أن يفسر على إنه ينتهج في هذه الجولة سياسة “أميركا أولاً”، بمعنى إنه لا يريد أن يربط قرارته في المنطقة بموافقة أو مباركة إسرائيل مسبقاً. إلغاء العقوبات ضد سوريا لإعطائها الفرصة لتصبح دولة “عظيمة”، والاجتماع بالرئيس الشرع، في الوقت الذي تواصل فيه إسرائيل قصفها المكثف لسوريا، ووصفها للشرع بأنه “جهادي”، أُعتبر من قبل المراقبين المحايدين رفضاً مباشراً لسياسة نتنياهو الراهنة ضد سوريا. وإسرائيل، التي تريد أن تشاركها الولايات المتحدة في تدمير المنشآت النووية الإيرانية، لا تريد أن ترى الرئيس الأميركي يتحدث عن غصن زيتون لإيران، وتطبيع العلاقات الأميركية-الإيرانية في حال التوصل إلى اتفاق نووي شامل. ومع أن ترامب كرر انتقاداته الشرعية للسلوك الإيراني، إلا إنه كرر أيضاً رغبته بتفادي مواجهة عسكرية مع إيران وتدمير منشآتها النووية، مؤكداً خلال زيارته لقطر وجود “مفاوضات جدية للغاية مع إيران لتحقيق سلام طويل الأمد”.

وقبل أسابيع، فاجأ الرئيس ترامب الإسرائيليين حين أعلن عن اتفاق لوقف إطلاق النار مع الحوثيين في اليمن، في الوقت الذي استمر فيه الحوثيون إطلاق الصواريخ ضد إسرائيل، حيث سقط آخرها قرب مطار بن غوريون. كما لم يستشر ترامب نتنياهو قبل إجراء الاتصالات المباشرة مع حركة حماس، التي أدت إلى الإفراج عن الرهينة الأميركية-الإسرائيلية، عيدان ألكسندر، دون مشاركة إسرائيل.

لا يخفي، الرئيس ترامب استيائه من استمرار الغارات الإسرائيلية ضد غزة، والتي تؤدي إلى قتل المئات من المدنيين على خلفية مواصلة حصار غزة وتجويع سكانها، ما أدى إلى استياء حتى الدول التي تربطها علاقات قديمة بإسرائيل، مثل كندا والدول الأوروبية، التي هدد بعض قادتها بوقف تعاملهم التجاري مع إسرائيل، التي تُوصف في وسائل الاعلام الغربية هذه الأيام بالدولة المنبوذة.

خلال جولته الخليجية، لم يتجاهل ترامب نتنياهو فحسب، بل تصرف عملياً تجاهه وكأنه منبوذ بالفعل.

The post ترامب يتخطى ثوابت أميركية في الشرق الأوسط appeared first on AGSI.

]]>
30230
“وما بينهما”: مركزية المجتمع في بينالي الفنون الإسلامية https://agsi.org/ar/analysis/and-all-that-is-in-between-centering-community-at-the-islamic-arts-biennale-arabic/ https://agsi.org/ar/analysis/and-all-that-is-in-between-centering-community-at-the-islamic-arts-biennale-arabic/#respond Wed, 19 Mar 2025 21:40:47 +0000 https://live-agsi.pantheonsite.io/?post_type=analysis&p=29381 تسلط الأعمال الفنية المعاصرة في بينالي الفنون الإسلامية 2025 الضوء على المبدعين الشباب من المنطقة وخارجها، مع التأكيد على قيم الجماعة والرعاية والروحانية.

The post “وما بينهما”: مركزية المجتمع في بينالي الفنون الإسلامية appeared first on AGSI.

]]>
تتجلى روائح وأصوات ومشاهد بينالي الفنون الإسلامية لعام 2025 في عبق الريحان المتصاعد من عمل فاطمة عبد الهادي، ونغمات صرير العمل التركيبي المعماري المصنوع من الخيزران والنخيل لعاصم واقف، والألوان النابضة بالحياة في عمل “درب زبيدة” المنسوج للفنان عمران قريشي 2025. يقدم المعرض، الذي يستمر حتى 25 مايو/آيار، عشرات المهام الفنية التي أوكلت للفنانين، وجائزة معمارية جديدة، ومئات القطع التاريخية تحت عنوان “وما بينهما” [وهي عبارة وردت في عدة مواضع في القرآن الكريم]. تُعرض الأعمال الفنية في خمس صالات عرض داخلية ومساحات خارجية في صالة الحجاج، لتعكس الخلفيات والممارسات والهويات المتنوعة لمئات الملايين من الحجاج المسلمين، الذين تقاطعوا تاريخياً في هذه الصالة التي تشبه الخيمة.

يجمع قسم الفن المعاصر في البينالي، الذي يشرف عليه الفنان السعودي مهند شونو، ما يزيد على 30 فناناً من جميع أنحاء العالم للانخراط في مواضيع الروحانيات والعجائب والتأمل والمقدس. تستمد الأعمال التركيبية الخاصة بالموقع والمتناغمة معه، والمعروضة تحت المظلة، الاستلهام من مفهوم الحديقة الإسلامية، باستخدام مواد طبيعية لتشجيع التواصل الأعمق مع الأرض والبيئة. وكما أوضح شونو في إحدى جولاته داخل المعرض، فإن هذه الأعمال الفنية تحث الزوار على إصلاح العلاقة غير المستقرة مع الأرض أسفلنا قبل تصور السماء في الأعلى.

وذكر شونو أن جوهر فرضيته في تنظيم المعارض يتمحور حول التركيز على “المداخل والمسارات، والمعرفة والفهم، والتعاون البشري وغير البشري، والتجدد والعطاء، والمجتمع والتجمع”. قام شونو بإيكال المهمة للعديد من الفنانين الذين لم يتم إدراجهم من قبل في معارض دولية كبيرة، والذين يستكشفون من خلال ممارساتهم حسابات ثقافية وتاريخية تتجاوز التصورات السائدة في السعودية. وبذلك، يهدف شونو من خلال نهجه في تنظيم المعارض إلى عرض وجهات نظر بديلة – طرق الرؤية في المشهد الفني السعودي – وطرق سرد هذه القصص.

نافورة القرن الحادي والعشرين

“وما بينهما”، بينالي الفنون الإسلامية 2025، مشهد للعمل التركيبي “نافورة الوسائط” للفنانة أنهار سالم. (صورة من مؤسسة بينالي الدرعية/ماركو كابيليتي)

مستترة بين الشجيرات تحت المظلة نجد “نافورة الوسائط”، وهي عمل تركيبي للفنانة أنهار سالم، وهي فنانة فيديوهات يمنية ذات أصول إندونيسية ولدت في جدة. لدى مشاهدته عن بعد، يبدو العمل الفني وكأنه نافورة مرصعة بالبلاط يمكن رؤيتها في أي حديقة ملكية، مزينة بنماذج دقيقة للأزهار، وزخارف بارزة ونقوش بارزة وتنفث مياهاً ذهبية. ولكن عندما يقترب المتفرجون، تظهر من البلاط الفسيفسائي الملون رموز وسائل التواصل الاجتماعي بأيقونات تذكرنا بالمشاهد الموجودة في الطبيعة، ولكن بلمسة “الإنترنت” الواضحة، أزهار منمقة بالألوان الزاهية، والتي يتم تداولها بشكل ملحوظ في تطبيقات المراسلة، وصور متوهجة فائقة الدقة للقمر في مختلف مراحله، وفراشات وطيور بديعة تتأهب للطيران.

ومن بين هذه الأيقونات هناك صور رمزية تجسد بعض الشخوص، وغالباً ما يتم تغطية أجزاء من وجوهها. وقد أُخذت العديد من هذه الصور الرمزية من عروض وأفلام لرسوم متحركة معروفة، حيث يرمز شخوصها للنقاء أو البراءة أو الانضباط. وُضعت هذه البلاطات جنباً إلى جنب مع أيقونات المساجد المأخوذة من شعارات تطبيقات الابتهالات الإسلامية التي يستخدمها مئات الملايين من المسلمين الذين يستخدمون الهواتف الذكية. تمثل هذه الكوكبة من الأيقونات، بالإضافة إلى كل صورة منفردة على بلاطاتها، مفهوم الحديقة الإسلامية التي تم تمثيلها في “المظلة”، والتي تستند للسجالات المعاصرة حول التمثيل والخصوصية، وإخفاء الهوية في المساحات الإلكترونية. وبدلاً من أن تقوم فوهة النافورة بنفث المياه أمام المستخدمين كما هو متوقع، تعرض مقاطع فيديو من إنتاج بالذكاء الاصطناعي، الذي تم تدريبه على محتوى بصري من العالم الإسلامي، وتم تنسيقها من قبل الفنانة أنهار لتعكس جمالية الصور الرمزية للبلاط. ومن خلال تكرار العمل على مقاطع الفيديو باستخدام خوارزمية خاصة بها، تضيف أنهار طبقة أخرى من إخفاء الهوية لهذا المحتوى الديني، وتزيد من غموض العلاقة بين الروحانية الحميمة والوسائط الرقمية الأدائية.

“وما بينهما”، بينالي الفنون الإسلامية 2025، مشهد للعمل التركيبي “نافورة الوسائط” للفنانة أنهار سالم. (صورة من مؤسسة بينالي الدرعية/ماركو كابيليتي)

ذكرت أنهار لمعهد دول الخليج العربية في واشنطن أنها سعت، من خلال تغليف النافورة بصور رمزية مصغرة مستقاة من مختلف المنصات الاجتماعية، لتكوين “عبء رقمي وبصري ثقيل ومفرط للغاية، لقد بحثت على الإنترنت، وحفظت صوراً رمزية لمستخدمين مجهولين من العالم العربي، ومن السعودية على وجه التحديد. كانوا أشخاصاً من مجتمعات مختلفة، على سبيل المثال أشخاص يحبون كرة القدم، وآخرون ملحدون أو متدينون، وذوو أيديولوجيات مختلفة”، وقالت إنها كانت تتأمل كيفية تفاعل الناس سياسياً في هذه المساحات. وأضافت قائلة، “بالنسبة لي، تعد الطريقة التي يتصرف بها الناس عند إخفاء هويتهم نوعاً من الممارسة الدينية بطريقة أو بأخرى، وكأنك تكرس نفسك لفكرة ما. وتقول أيضاً، “سأكون منضبطاً خلال وجودي على الإنترنت. سأتواجد فقط من أجل هذه الأفكار”.

يستند مشروع أنهار “نافورة الوسائط” إلى ممارستها البحثية والسينمائية التي استمرت لسنوات، حيث كانت تبحث في علاقات التكنولوجيا والعولمة والوسائط المعاصرة، والترفيه من خلال الممارسات الإسلامية والثقافة البصرية، والهوية والمعاني الإيمانية. بالنسبة لها، يمثل هذا المشروع في بينالي الفنون الإسلامية “نوعاً من الإثنوجرافيا الرقمية المتعلقة بكيفية تقديم الناس للرموز، وكيفية تداولهم لكل هذه الإشارات”.

نبتة الريحان في الذاكرة الثقافية الجمعية

“وما بينهما”، بينالي الفنون الإسلامية 2025، مشهد للعمل التركيبي “جعلك بالجنّة” للفنانة فاطمة عبد الهادي. (صورة من مؤسسة بينالي الدرعية/ماركو كابيليتي)

على بُعد مسافة قصيرة من نافورة أنهار المرصعة بالبلاط، ثمة ممر تنسدل حوله بانسياب ستائر بيضاء شفافة مع ظلال نباتات الريحان مطبوعة على أذيالها. تصطف على جانبي الممر شجيرات من نباتات الريحان التي تنفث روائحها على المشاهد مع كل نسمة هواء أو لمسة من شبكة الستائر الحريرية. “جعلك بالجنّة” هو عمل تركيبي متعدد الحواس من إبداع فنانة الشاشة الحريرية والمعلمة السعودية فاطمة عبد الهادي، التي تسخر قوة الرائحة لربط الذكريات عبر الزمان والمكان.

وأوضحت فاطمة لمعهد دول الخليج العربية في واشنطن قائلة، “قبل ثلاث سنوات، فقدت شخصاً عزيزاً بالنسبة لي. عندما نفقد شخصاً ما، فإنه من الضروري جداً بالنسبة لنا أن ندعو له، ونتذكر أنه في مكان أفضل. وقد أوضحت أمي أن “الريحان من روائح الجنّة”. لقد أهدتني قليلاً من الريحان، وكانت تضعه في غرفة معيشتها أيضاً، بحيث كلما شممنا رائحة الريحان كنا ندعو لأحبائنا المفقودين – حتى ولو كان ذلك في اللاوعي”. واستحضاراً للأهمية الشخصية والجمعية لهذه النبتة للمظلة، أنشأت فاطمة ممراً – واسعاً بما يكفي للسير فيه، ولكنه ضيق بما يكفي لخلق تجربة حميمية – يتيح للزوار أن يستنشقوا عبير الريحان وهم يتأملون مشاعرهم، أو يعالجون أحزانهم، أو يستمتعون بمشاهد الحديقة.

تتدلى على جانبي الممر شاشات شبكية مطبوع عليها ما تسميه فاطمة “أطياف” أو “صور روح الظل الخفي” للنباتات، والتي رسمتها باستخدام طلاء خاص بها يتكون من الريحان المتفحم بعد تجفيفه وطحنه. “قبل هذا المشروع انتابتني مشاعر أشبه بالنار، لأنني في الحقيقة لم أكن قد تعافيت بعد، لذلك بدأت بصناعة هذا الطلاء باستخدام اللهب والريحان المسحوق على الزجاج، ما أفضى لتكوين طلاء أسود برائحة أقرب لرائحة الريحان من رائحة النباتات المحترقة. أقوم بصناعة الطلاء من الأوراق المجففة لكيلا يموت النبات أبدا ًفي الواقع، بل يتخذ شكلاً جديداً تماماً مثل الأشخاص الذين فقدناهم”. وأوضحت فاطمة، “كانت هذه الصور بمثابة التقاط آخر صورة لروح النبات”.

أتاح ابتكار هذا العمل لفاطمة الفرصة لتحويل حزنها إلى نتاج إبداعي، ومواجهة ألم فقدان شخص كان بمثابة أمها الثانية، “لقد انبهرت بهذا الشعور القوي بالرغبة في تجميد اللحظة، واستحضارها في شكل جديد لكيلا أنساها”. ومع تراقص شبكة العمل التركيبي شبه الشفافة في مهب الريح، تنبض الحياة مجدداً في روح صور الريحان الشفافة متعددة الطبقات، وتتفاعل مع المساحات الخضراء المحيطة بها. ترمز الظلال المطبوعة في عمل فاطمة التركيبي لهذه المحاولة لالتقاط لحظة عابرة وتحويلها إلى مساحة تفاعلية تستحضر ذكريات أحد الأحبة المفقودين. ومن خلال استخدام نبتة شائعة الوجود في المنازل والأماكن العامة في شتى أرجاء السعودية، نبتة تُستخدم في الحداد والاحتفال على حد سواء، فإن عمل “جعلك بالجنّة” يفضي لخلق تصور جديد لعلاقات الحزن والتقاليد والروحانيات، ويضفي عليها طابعاً مكانياً.

على هذا النحو، ينعكس مفهوم “الحديقة” الذي يتجلى في المظلة بشكل مادي ومجازي، من خلال النباتات العطرة والألوان النابضة بالحياة في الأعمال التركيبية الخارجية إلى جانب الموضوعات التي تستحوذ على ما يعنيه قضاء الوقت في الحديقة، مثل التريث في الاستمتاع بالمناظر والروائح العطرة، والاهتمام بالحياة النباتية، والتأمل في عجائب الطبيعة.

المجتمع المحلي يتصدر المشهد الفني الإقليمي

“وما بينهما”، بينالي الفنون الإسلامية 2025، مشهد للعمل التركيبي “هديتي لك حديقة” للفنانة بشائر هوساوي. (صورة من مؤسسة بينالي الدرعية/ماركو كابيليتي)

من الأعمال الفنية الأخرى التي تستجيب لمفهوم الرعاية عمل بعنوان “هديتي لك حديقة” للفنانة بشائر هوساوي المقيمة في جدة. يتألف العمل من مكانس حمراء داكنة اللون مرتبة فوق عِصيّ مكانس خشبية لتوهمك بأنها سجادة منزلية. يستند هذا العمل التركيبي إلى تاريخ عائلة بشائر في استضافة الحجاج في طريقهم إلى مكة والمدينة، ما يعكس كيفية اعتماد الناس في كثير من الأحيان على كرم الآخرين في رحلاتهم الروحانية والمادية. كما هو الحال مع العمل التركيبي لفاطمة، “هديتي لك حديقة” يثير المشاعر نحو قصة شخصية مؤثرة تركت صداها على الفنانة.

لقد اختار مهند شونو الفنانين الذين يعكسون القيم التي يراها في الطبقة الناشئة من المبدعين في البلاد: المجتمع والرعاية. وقد انخرط في مناقشات مستفيضة مع الفنانين الذين تم اختيارهم كجزء من عملية التكليف التي شارك فيها. واتخذ شونو من الأستوديو الخاص به في حي جاكس في الرياض مكاناً لتجمع الفنانين الشباب، ويجسد شونو شخصياً فكرة كون المجتمع والرعاية الجماعية يمثلان القوتين الدافعتين وراء المشهد الفني السعودي.

The post “وما بينهما”: مركزية المجتمع في بينالي الفنون الإسلامية appeared first on AGSI.

]]>
https://agsi.org/ar/analysis/and-all-that-is-in-between-centering-community-at-the-islamic-arts-biennale-arabic/feed/ 0 29381
اكتشاف الذهب الجديد: الثقافة ومستقبل العلاقات السعودية-الأمريكية https://agsi.org/ar/analysis/%d8%a7%d9%83%d8%aa%d8%b4%d8%a7%d9%81-%d8%a7%d9%84%d8%b0%d9%87%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%af%d9%8a%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d9%82%d8%a7%d9%81%d8%a9-%d9%88%d9%85%d8%b3%d8%aa%d9%82%d8%a8%d9%84-%d8%a7/ Wed, 19 Feb 2025 20:09:01 +0000 https://live-agsi.pantheonsite.io/?post_type=analysis&p=29360 في ضوء رؤية 2030، التي تعد خارطة الطريقة السعودية الجريئة للمستقبل، فإن الثقافة مرشحة لأن تصبح ركيزة أساسية للشراكة الاستراتيجية السعودية-الأمريكية.

The post اكتشاف الذهب الجديد: الثقافة ومستقبل العلاقات السعودية-الأمريكية appeared first on AGSI.

]]>
في شهر فبراير/شباط 2025، تحل الذكرى السنوية الثمانون للقاء التاريخي الذي جمع بين الملك عبد العزيز آل سعود والرئيس فرانكلين روزفلت على متن البارجة يو إس إس كوينسي (USS Quincy) في منطقة البحيرات المرة في قناة السويس. أرسى ذلك اللقاء الأسس لعلاقات تقوم على التوافق الاستراتيجي والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة. لكن قصة العلاقات بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة تعود إلى ما قبل عام 1945، إذ بدأت قبل ذلك باثني عشر عاماً، وسط قيظ الصحراء العربية ووهج رمالها الساحرة.

في عام 1933، وبينما كان العالم يمر بحالة من الغموض خيمت على سنوات ما بين الحربين العالميتين، حصلت شركة ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا (Standard Oil of California) على امتياز التنقيب عن النفط في المنطقة الشرقية في السعودية. آنذاك، كانت المملكة الفتية تبحث عن شريان حياة اقتصادي، في حين كانت الولايات المتحدة، التي كانت ما تزال تصارع أزمة الكساد الكبير، تبحث عن مصادر جديدة للطاقة. وفي عام 1938، ظهر النفط في بئر الدمام رقم 7، وهكذا تم أخيراً اكتشاف “الذهب الأسود”. لقد كان ذلك إشعارًا ببداية شراكة سعودية-أمريكية أسهمت في رسم معالم العالم الحديث.

إلاّ أن اكتشاف النفط لم يكن أمراً تقنياً فحسب، وإنما كان أمراً إنسانياً، تجسد في الشراكة بين عالم الجيولوجيا الأمريكي ماكس ستاينكي (Max Steineke) والدليل الصحراوي السعودي خميس بن رمثان. لقد أقام هذان الرجلان، القادمان من عالمين مختلفين تماماً، جسراً من الثقة أساسه الخبرة والمثابرة، وبذلك جسّدت قصة تعاونهما جوهر العلاقات السعودية-الأمريكية. إنها ليست علاقةً بين حكومتين فحسب، وإنما بين شعبين امتدت الروابط بينهما لتتجاوز مسائل النفط والأمن.

الدبلوماسية الثقافية السعودية-الأمريكية: حقبة جديدة من التبادل والنفوذ

لطالما كان التبادل الثقافي قوة خفية تربط بين البلدين. ومع طرح رؤية 2030، التي تعد خارطة الطريقة السعودية الجريئة للمستقبل، فإن الثقافة مرشحة لأن تصبح ركيزة أساسية للشراكة الاستراتيجية السعودية-الأمريكية.

تتمتع الثقافة الأمريكية بجاذبية كبيرة لدى الجمهور السعودي، إذ أسهمت في تشكيل نظرة السعوديين للعالم من خلال أفلام هوليوود، والروايات الأكثر مبيعاً، والأسماء الموسيقية الأمريكية التي أصبحت بمثابة أيقونات عالمية. لكن الثقافة ليست طريقاً أحادي الاتجاه. ومن هنا فخلال السنوات القليلة الماضية، لم تعد السعودية تستهلك الثقافة وحسب، وإنما برزت أيضاً كلاعب مؤثر في المشهد الثقافي العالمي.

يتجلى هذا التحول في الحضور الدولي غير المسبوق للمبدعين السعوديين. لقد أسهمت المعارض الفنية الفردية التي أُقيمت في الولايات المتحدة، مثل معرض “مدن رمزية” لأحمد ماطر ومعرض “التفكير المضياف” لعبد الناصر غارم، في تحدّي السرديات القديمة، ووضعت الفن السعودي المعاصر في قلب النقاش الفني العالمي. وفي الوقت نفسه، تشهد السينما السعودية نهضة حقيقة، تقودها أستوديوهات بارزة مثل “تلفاز 11″، الذي توثق منتجاته المتنوعة قصصاً سعودية أصيلة لطالما كانت غائبة عن الشاشة العالمية. وبفضل تسجيلها أسرع نمو في مبيعات شباك التذاكر عالمياً، فإن السعودية في طريقها لتصبح قوة عملاقة في صناعة السينما العالمية. وبالإضافة إلى ذلك، تضع الموسيقى السعودية بصمتها في هذا التحول. فقد قدّمت الأوركسترا والكورال الوطني السعودي عرضاً تاريخيًا في دار أوبرا متروبوليتان في سبتمبر/أيلول 2023، ممّا أتاح لجمهور نيويورك التعرف على التراث الموسيقي الثري والمتنوع في المملكة، وصلاته الوثيقة بالمشهد الموسيقي العالمي.

وفي السياق ذاته، يعد معرض الرياض الدولي للكتاب 2024 شاهداً على هذه الحقبة الجديدة من التبادل الثقافي. ففي برنامج ثقافي تم تنظيمه من خلال شراكة سعودية-أمريكية، انخرط مفكرون أمريكيون بارزون، مثل فريد زكريا (Fareed Zakaria) ووالتر آيزكسون (Walter Isaacson)، وجوناثان فرانزن (Jonathan Franzen) وكوامي ألكساندر (Kwame Alexander)، في مناقشات صريحة وعميقة مع الجمهور السعودي. وبعد أن ألقى زكريا كلمته حول كتابه الأخير “عصر الثورات” أمام جمهور يتألف من حوالي 350 شخصاً، قال “هناك نهضة ثقافية أصبح معها الناس مستعدين لتقبل الثقافات الأخرى والتفاعل معها”. وأيده آيزاكسون في هذا الطرح، مشيراً إلى أن “المعرض قد احتوى على كتب أكثر من أي معرض كتاب آخر في العالم. أُدرك الآن كم ستكون العقود القادمة في السعودية نابضة بالحيوية”.

تسمح هذه اللحظات للسعوديين باستعادة سرديتهم الخاصة، وتجاوز الصور النمطية التي عفا عليها الزمن، من أجل التواصل مع العالم، وتقديم ثقافتهم وتطلعاتهم وفق رؤيتهم الخاصة. وتجسد هذه النقاشات المتبادلة قوة الدبلوماسية الثقافية في تحدي الفرضيات وبناء الجسور وخلق مسارات جديدة للتعاون. كما أنها تسلط الضوء على منظور أوسع للعلاقات السعودية-الأمريكية، وهو منظور يضع التبادل الثقافي في قلب الشراكة بين البلدين، لا سيما أن السعودية تعمل بشكل دؤوب على صياغة نهضتها الثقافية.

النهضة الثقافية لرؤية 2030: إنه الاقتصاد (الإبداعي)!

تشكل الاستراتيجية الوطنية للثقافة، التي أُطلِقَتْ في عام 2019، حجر الأساس في عملية التحول الإبداعي في المملكة، حيث أسست منظومة شاملة تغطي 16 قطاعاً ثقافياً فرعياً، تحت إشراف هيئات متخصصة، وبدعم من عدة مؤسسات رئيسية أخرى. تشمل هذه القطاعات المتاحف والتراث والأفلام والموسيقى والآداب والفنون الأدائية والأزياء والتصميم، ضمن قطاعات أخرى. وتستهدف الاستراتيجية على مدى السنوات القليلة القادمة توفير أكثر من 100 ألف فرصة عمل، وزيادة نسبة مساهمة قطاع الثقافة في الاقتصاد لتصل إلى 3% من الناتج المحلي الإجمالي. وتقود هذا النمو الطموح محفظة تضم أكثر من 500 مبادرة، مدعومة بتدفق متزايد للنشاط الاستثماري، حيث تم تحديد أنشطة بقيمة 2.5 مليار ريال سعودي (حوالي 666.6 مليون دولار) للعمل على تحقيق النمو في هذه القطاعات.

ولكنْ ثمة تحول أعمق يكمن خلف هذه الأرقام، تحوّل فكري وثقافي وإبداعي لا يقتصر تأثيره على تشكيل الاقتصاد فحسب، وإنما يشكّل سردية سعودية جديدة. فالنهضة الثقافية السعودية متجذرة بعمق في الشعر الجاهلي، والتقاليد الفكرية الإسلامية، وتراث البادية، والتعابير الثقافية المتنوعة بتنوع مناطق المملكة المتعددة. كما أنها تحتفي بالتفاعل المتجدد والمستمر للهوية الثقافية الحديثة في السعودية مع المؤثرات العالمية. وأحد أبرز الأمثلة على هذا التفاعل الفكري الخلاّق هو مؤتمر الرياض للفلسفة، حيث يفتح المجال لحوار معمّق حول الهوية والأخلاق والجماليات. يعكس هذا المؤتمر حواراً وطنياً لا يهدف فقط لاستعادة الثقة الثقافية، بل يسعى أيضاً للتفاعل مع الأفكار العالمية.

كما يساهم هذا التحول في إعادة تشكيل معنى أن يكون المرء سعودياً. فمن خلال الاستراتيجية الوطنية للثقافة، تعمل السعودية على تشكيل هوية وطنية تحافظ على ارتباطها العميق بالتقاليد مع انفتاحها على المستقبل. ويتجلى ذلك في مبادرة “الأعوام الثقافية“، والتي تسلط الضوء سنوياً على مظهر مختلف من مظاهر التراث السعودي- من الاحتفال بالقهوة السعودية في عام 2022، والشعر العربي في عام 2023، إلى الحرف اليدوية في عام 2025. إن الاعتراف بأهمية هذه الموضوعات التراثية والثقافية، وإعادة إحياء أشكال فنية كانت مهمشة في السابق يشيران إلى التحول نحو سردية ثقافية أكثر شمولية ومتعددة الأبعاد. إنها لحظة تعريف للذات، تنفتح فيها السعودية على العالم، لتعيد تقديم نفسها وفق رؤيتها الخاصة.

تهدف الاستراتيجية الوطنية للثقافة لجعل السعودية تتبوأ مركزاً ريادياً على الصعيد العالمي في مجال الثقافة والصناعات الإبداعية. واليوم، يعتبر بينالي الدرعية للفن المعاصر، وبينالي الفنون الإسلامية، ومهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي، بعض الأمثلة على المبادرات التي تعزز دور السعودية كمركز ثقافي عالمي. وبحلول عام 2030، سيكون قد تم افتتاح 28 متحفاً جديداً (بما في ذلك متحف “الذهب الأسود”)، وإنشاء 153 مكتبة عامة (تسمى “البيوت الثقافية”)، واستضافة أكثر من 100 إنتاج سينمائي دولي. إن المشاريع البارزة مثل العلا: أكبر متحف حي في العالم؛ والدرعية: مهد الدولة السعودية الذي يتم تطويره وتقديمه بشكل جديد؛ ونيوم: العاصمة المستقبلية للثقافة والإعلام؛ والقدية: وجهة رئيسية للترفيه والفنون الأدائية، كل ذلك يعكس طموح المملكة في تشكيل ملامح المشهد الثقافي العالمييمتد هذا التحول إلى ما هو أبعد من حدود السعودية، فالمملكة تتعاون بشكل فعال مع شركاء استراتيجيين لتوسيع منظومتها الثقافية. ومن هنا، فعبر منظمات ثقافية أمريكية كبرى مثل مؤسسة سميثسونيان (Smithsonian Institution)، وأستوديوهات هوليوود، وأكاديميات إدارة الفنون، ثمة إمكانات كبيرة لإطلاق مشاريع سعودية-أمريكية مشتركة تعزز التبادل الثقافي والإبداع والنمو الاقتصادي. وفي هذا الصدد، تعد تنمية القدرات أولوية رئيسية، حيث تسعى السعودية لتطوير المواهب لمواكبة النمو المتسارع في الاقتصاد الإبداعي، وتعزيز تأثيرها على الساحة العالمية.

لقد بات الزخم الذي يقود هذه النهضة الثقافية السعودية واضحاً على الساحة العالمية. ففي قمة مجموعة العشرين (G20) عام 2020، تولت السعودية قيادة الجهود الرامية لإدراج الثقافة على الأجندة الاقتصادية العالمية بهدف ترسيخ مكانتها كركيزة للتنمية المستدامة. كما لعبت السعودية دوراً قيادياً في مؤتمر موندياكلت (MONDIACULT) 2022 التابع لمنظمة اليونسكو، وهو أكبر مؤتمر للسياسات الثقافية في العالم، مما يعزز التزامها بدعم الحوار الثقافي العالمي. وفيما تلوح في الأفق أحداث ضخمة مثل إكسبو الرياض 2030 وكأس العالم لكرة القدم 2034، تتعزز بشكل أكبر مكانة السعودية كمركز عالمي للثقافة والدبلوماسية والابتكار.

الثقافة والقطاعات المتكاملة معها: الفرصة الكبرى المقبلة

مع توسع الاقتصاد الإبداعي، تصبح أوجه التكامل بينه وبين القطاعات الرئيسية الأخرى أكثر وضوحاً. فالثقافة والسياحة والترفيه والرياضة كلها ركائز أساسية في برنامج “جودة الحياة” ضمن رؤية 2030، الذي يهدف إلى تحسين جودة المعيشة، وإثراء التجارب الثقافية، ودفع عجلة التنويع الاقتصادي. وفي هذا السياق، تشهد وتيرة السياحة الثقافية نمواً متسارعاً مع وصول ما يقارب 30 مليون زائر دولي في عام 2024، في حين يواصل القادة السعوديون جذب استثمارات ضخمة في مجالي الترفيه والرياضة في إطار الجهود المبذولة لتعزيز مكانة السعودية كوجهة عالمية رائدة. وللحفاظ على استدامة هذا الزخم، يتزايد الطلب على الخبرات الدولية في مجالات الضيافة، وتطوير العلامة للوجهات السياحية، وتجربة الزائر، وإنتاج المحتوى، وإدارة الفعاليات والتفاعل مع الجمهور، وغير ذلك من المجالات الأخرى. وفي الوقت نفسه، تعمل البرامج التعليمية المتخصصة على إعداد جيل سعودي جديد لتولي قيادة هذه القطاعات.

لطالما كان التعليم حجر أساس في الروابط بين الشعبين السعودي والأمريكي، واليوم مع التحول الثقافي الذي تشهده المملكة، تزداد أهمية هذه الروابط أكثر من ذي قبل. اليوم يوجد ما يقارب 16 ألف طالب سعودي مسجلين في المؤسسات التعليمية الأمريكية في مختلف التخصصات، بما من شأنه أن يعزز عقوداً من التبادل الأكاديمي. بالإضافة إلى ذلك، يعمل برنامج الابتعاث الثقافي، الذي تديره وزارة الثقافة، على دعم التدريب المتخصص لقادة المستقبل في الصناعات الإبداعية والثقافية. وفي غضون ذلك، تقوم السعودية بتوسيع قطاع التعليم العالي الخاص بها بشكل سريع، ما يشجع التبادل التعليمي الثنائي من خلال توفير فرص جديدة للتعاون مع الجامعات الأمريكية، مع مبادرات لإقامة شراكات لتبادل أعضاء هيئات التدريس، ومشاريع بحثية مشتركة، وبرامج الدرجات العلمية المشتركة.

بفضل استثمارات تُقدَّر بمليارات الدولارات، وقطاع إبداعي يشهد نمواً متسارعاً، ومخزون هائل وغير مستغل من القصص والتقاليد ورأس المال البشري، تشهد السعودية اليوم نهضة ثقافية غير مسبوقة. فبعد عقود من تأطيرهم ضمن سرديات اختزالية، هناك تعطش عميق لدى المبدعين السعوديين لمشاركة رؤاهم مع العالم – لاستعادة سردياتهم، والاحتفاء بتراثهم، والمساهمة في الحوار الإبداعي العالمي

إن لدى المؤسسات والشركات الأميركية وصنّاع السياسات فرصة فريدة للمساهمة في صياغة هذه الحقبة الجديدة من التبادل الثقافي والتعاون الإبداعي، حقبة تستكشف الروابط الأعمق والأكثر استدامة التي تُبنى من خلال الثقافة والتعليم والتجارب الإنسانية المشتركة. لقد أرست عقودٌ ممتدة من الروابط بين الشعبين السعودي والأميركي أُسساً قوية للتعاون الفعال، مما يتيح للطرفين التنقل في المشهد المتغير بثقة ووضوح، وتحويل الفرص إلى شراكات مستدامة.

جسر الهوّة بين عالمين

بالنسبة إلى الجيل السعودي الشاب، كانت رؤية 2030 نقطة تحول مفصلية. لقد أعادت تشكيل وعيهم بغاياتهم: لإعادة تخيّل معنى أن يكون المرء سعوديًا، من أجل البناء، والابتكار، وإعادة تعريف موقع البلاد على الساحة العالمية.

واليوم، وبينما تعيد السعودية رسم ملامح مستقبلها، وتعزز تفاعلها مع العالم، تقف السعودية والولايات المتحدة على مفترق طرق جديد، قد يكون محورياً بقدر أهمية لقاء كوينسي قبل 80 عاماً. ولكن يا تُرى: ما هو “الذهب” الجديد الذي يمكن للبلدين اكتشافه معاً في القرن الحادي والعشرين؟ لم تعد الاكتشافات الثمينة موجودة تحت الأرض، وإنما تكمن في تبادل الأفكار، وصياغة روابط إنسانية وثقافية أعمق.

ها هو فصل جديد يكشف عنه النقاب – فصل يقوده أولئك الذين يمتلكون الجرأة على الإبداع، ووضع تصورات جديدة، وتجاوز الحدود – أو كما قال الشاعر السعودي ذو الرؤية الفذة محمد الثبيتي: “للناشرين لما انطوى، والناظرين إلى الأمامِ”.

The post اكتشاف الذهب الجديد: الثقافة ومستقبل العلاقات السعودية-الأمريكية appeared first on AGSI.

]]>
29360
تأثير ترامب: تأثير الرئيس الأمريكي المحتمل على الاقتصاد السعودي https://agsi.org/ar/analysis/%d8%aa%d8%a3%d8%ab%d9%8a%d8%b1-%d8%aa%d8%b1%d8%a7%d9%85%d8%a8-%d8%aa%d8%a3%d8%ab%d9%8a%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%a6%d9%8a%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d8%b1%d9%8a%d9%83%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%85/ Thu, 06 Feb 2025 01:10:27 +0000 https://live-agsi.pantheonsite.io/?post_type=analysis&p=23780 يبدو أن النمو الاقتصادي في السعودية سيتسارع هذا العام، لكن سياسات الرئيس دونالد ترامب تثير حالة كبيرة من الغموض بشأن التوقعات.

The post تأثير ترامب: تأثير الرئيس الأمريكي المحتمل على الاقتصاد السعودي appeared first on AGSI.

]]>
“سجل الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي (بعد احتساب معدل التضخم) نمواً بمعدل 1.3% في عام 2024 مقارنة بـ -0.8% في عام 2023. كما سجل القطاع غير النفطي نمواً بمعدل 3.9%، دون تحقيق تغيير كبير عن عام 2023، في حين انخفض الناتج المحلي الإجمالي من النفط بمعدل 4.5% (انخفض بمعدل 9% في عام 2023)، وهذا يعود لتخفيضات إنتاج النفط بموجب الاتفاق الذي أبرمه تحالف أوبك بلس. كما أن الاستهلاك الخاص، الذي كان أحد المحركات الرئيسية للنمو خلال عام 2023، قد تباطأ في الأرباع الثلاثة الأولى من عام 2024، لكن الاستثمار الخاص قد تعافى بعد تباطؤ كبير في النصف الثاني من عام 2023. كما ساهم الإنفاق الحكومي بقوة في في تحقيق النمو خلال الأرباع الثلاثة الأولى من عام 2024.

ومن المتوقع أن يكون نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في عام 2025 أقوى مما كان عليه في عام 2024. وبالنظر إلى التوقعات الحالية لإنتاج النفط والإنفاق الحكومي، يبدو أن نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 3٪ في عام 2025 هو توقع مركزي معقول. يستند هذا التوقع إلى افتراض أن الناتج المحلي الإجمالي النفطي الحقيقي سينمو بنحو 1.3٪، حيث سيتمكن تحالف أوبك بلس من استعادة جزء من الإنتاج الذي تم خفضه في السنوات الأخيرة، ولكن التحالف لن يتمكن من تحقيق جميع الزيادات المعلنة في الإنتاج. ومن المتوقع أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي بمعدل 3.5٪، وذلك على افتراض أن الحكومة تبقى ملتزمة بخطتها الداعية لخفض الإنفاق هذا العام، كما هو موضح في ميزانية 2025، بينما يواصل صندوق الاستثمار العام الاستثمار بشكل قوي في الاقتصاد المحلي.

سياسات ترامب والاقتصاد السعودي

خلال أول أسبوعين من إدارة الرئيس ترامب، كان هناك العديد من الإعلانات السياسية وسلسلة من الأوامر التنفيذية، والعديد من التحديات القانونية، وتعليقات إعلامية متتابعة من الرئيس. ورغم صعوبة التنبؤ بتأثير هذه السياسات على الاقتصاد في هذه المرحلة المبكرة، فإن السياسات الأمريكية تخلق فرصاً ومخاطر محتملة على الاقتصاد السعودي. هناك ثلاث قضايا رئيسية ستؤثر بشكل خاص على الاقتصاد السعودي.

سوق النفط

ستنفذ إدارة ترامب سياسات تدعم صناعة النفط الأمريكية. وبمرور الوقت، من المرجح أن تعزز هذه السياسات إنتاج النفط الأمريكي، رغم اختلاف آراء الخبراء حول مقدار هذه الزيادة. كما يضغط الرئيس على السعودية ومنظمة أوبك لخفض أسعار النفط، حيث إنه يسعى إلى الالتزام بوعده بخفض تكلفة المعيشة في الولايات المتحدة. ومع ذلك، في الفترة القريبة، من المتوقع أن يكون لنهج إدارة ترامب بشأن العقوبات على إيران وروسيا التأثير الأكبر على سوق النفط العالمية، وفي نهاية المطاف على السعودية. وقد ارتفعت أسعار النفط خلال الأسابيع الأولى من العام مع تشديد إدارة الرئيس السابق جوزيف بايدن العقوبات على صادرات النفط الروسية، إلى جانب تأثير موجة البرد القارس التي ضربت الولايات المتحدة وأوروبا.

لا يبدو أن نهج ترامب تجاه إيران واضح تماماً في هذه المرحلة. ففي الوقت الذي أصدر البيت الأبيض مذكرة رئاسية تدعو لتنفيذ حملة “”الضغوط القصوى”” على إيران، بما في ذلك السعي إلى “”إيقاف صادرات النفط الإيرانية تماماً””، قال الرئيس أيضاً إنه يريد التفاوض على “”اتفاقية سلام نووي“” مع إيران. ومن شأن تشديد العقوبات على صادرات النفط الإيرانية أن يقلل من المعروض في سوق النفط العالمية، ما يؤثر بشكل خاص على الصين، التي تعد الوجهة الرئيسية للنفط الإيراني. وسيؤدي انخفاض الإمدادات الإيرانية إلى تسهيل زيادة إنتاج تحالف أوبك بلس في عام 2025 كما هو مخطط له، الأمر الذي قد يعود بفوائد على النمو في السعودية والتوازنات المالية والخارجية. ولكن في غياب العقوبات، لا تبدو توقعات الطلب والعرض الأساسية في سوق النفط العالمية في صالح منتجي تحالف أوبك بلس. ويشير متوسط ​​أحدث التوقعات من إدارة معلومات الطاقة ووكالة الطاقة الدولية ومنظمة أوبك إلى أن زيادة المعروض من الدول غير الأعضاء في تحالف أوبك بلس ستكون كافية لتلبية نمو الطلب العالمي على النفط في عام 2025. وفي هذا الوضع، سيكون من الصعب على تحالف أوبك بلس زيادة الإنتاج دون المخاطرة بانخفاض حاد في الأسعار. وبالتالي، سيشكل هذا خطراً سلبياً على آفاق النمو في السعودية، وهو الخطر الذي قد يستفحل في حال أدت حرب تجارية إلى تباطؤ النمو العالمي والطلب على النفط.

التضخم وأسعار الفائدة

إن ثلاث سياسات لترامب – الرسوم الجمركية والإجراءات المتشددة بشأن الهجرة غير الموثوقة والتخفضيات الضريبية – قد تفرض ضغوطاً تصاعدية على معدل التضخم في الولايات المتحدة. فقد أشار الاحتياطي الفيدرالي الأميركي مؤخراً في بيان أصدره بعد اجتماعه بشأن سياساته العامة في يناير/كانون الثاني إلى أن “”التضخم لا يزال مرتفعاً إلى حد ما”” وأبقى الاحتياطي الفيدرالي على أسعار الفائدة الأساسي دون تغيير (وبذلك أنهى ثلاثة اجتماعات متعاقبة شهدت خفضاً لأسعار الفائدة). إن ارتفاع التضخم سيقلل من قدرة الاحتياطي الفيدرالي على خفض أسعار الفائدة، وقد يستدعي هذا الأمر تشديد السياسة النقدية في وقت لاحق من هذا العام. وهذا من شأنه أن يضع رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول (Jerome Powell) وزملاءه في موقف صعب للغاية، خاصة في ظل ضغوط ترامب المستمرة لخفض أسعار الفائدة.

إن أي زيادة في أسعار الفائدة في الولايات المتحدة من شأنها أن ترفع من تكلفة الاقتراض في الوقت الذي يواصل فيه القطاع العام السعودي الاقتراض بكثافة لتمويل المشاريع الطموحة لرؤية 2030. كما أن ارتفاع أسعار الفائدة من شأنه أن يرفع تكاليف الاقتراض للأفراد والشركات، ما قد يؤدي إلى تباطؤ الاستهلاك والاستثمار الخاص، على الرغم من صعوبة تحديد هذه الروابط بشكل تجريبي دقيق في السعودية ودول الخليج. وأخيراً، في ظل بيئة ذات أسعار فائدة مرتفعة، قد يواصل الدولار ارتفاعه، نظراً لارتباط الريال السعودي به، ما يؤثر سلباً على القدرة التنافسية للقطاعات السعودية الناشئة، مثل السياحة.

التجارة الخارجية والاستثمار

لا تزال نتائج تهديدات ترامب بفرض رسوم جمركية جديدة على شركائه التجاريين غير معروفة حتى الآن. فقد تم تأجيل فرض الرسوم الجمركية على كندا والمكسيك لمدة 30 يوماً، في حين أن الرسوم الجمركية المفروضة على الصين ما تزال سارية. كما قال الرئيس إن الرسوم الجمركية على الاتحاد الأوروبي “”هي أمر مؤكد””، وأي رسوم جمركية تفرضها الولايات المتحدة سوف تستدعي ردود أفعال من البلدان المتضررة، وسوف تزيد من خطر تصعيد الحرب التجارية مع تداعيات سلبية على النمو العالمي. حتى حالة الغموض الناتجة عن هذه السياسات الحالية قد تؤثر سلباً على الاستثمار والتوظيف والنمو.

قد تخلق هذه التطورات فرصاً جديدة أمام السعودية، لكنها قد تفرض أيضاً بعض التحديات. على سبيل المثال، تعد كندا من أكبر مصدري المنتجات الكيميائية إلى الولايات المتحدة، وبالتالي فإن الرسوم الجمركية على الواردات الكندية قد توفر فرصاً لشركات المنتجات الكيميائية السعودية لتوسيع حصتها في السوق الأمريكية. أما الرسوم الجمركية على واردات النفط من كندا سترفع تكلفة الطاقة في الولايات المتحدة، ولكن يبدو هذا الأمر من غير المرجح، على الأقل في الفترة القريبة، أن تؤدي إلى أي تحول في مصادر الإمداد نظراً للبنية التحتية الحالية لخطوط الأنابيب والنقل بالسكك الحديدية واحتياجات المصافي. ومع ذلك، فإن التعريفات الجمركية المرتفعة قد تقلل من الحوافز التي تدفع الشركات إلى الإنتاج في الخارج، وبالتالي سيكون هناك تأثير سلبي على تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر التي تحاول السعودية جذبه للمساعدة في عملية تنويع اقتصادها.

كما يسعى ترامب إلى أن تقوم السعودية بزيادة استثماراتها ومشترياتها لدعم الاقتصاد الأمريكي. وقد أعلن ولي العهد السعودي مؤخراً زيادة حجم التجارة والاستثمار مع الولايات المتحدة بما يصل إلى 600 مليار دولار على مدى السنوات الأربع المقبلة. ورغم أن هذا الرقم يبدو مبالغاً فيه إلى حد كبير، إلا أن تعميق العلاقات التجارية والاستثمارية بين البلدين أمر مرجح، ولكن تمويل ذلك لا يزال غير واضح. إن التركيز المتزايد على الاستثمارات في الولايات المتحدة قد يجلب عوائد جيدة على المدى الطويل، ولكن قد يكون ذلك على حساب استثمار أقل في الاقتصاد المحلي في الفترة القريبة مما قد يؤثر على النمو. علاوة على ذلك، فإن إصرار الرئيس على خفض أسعار النفط سيجعل من الصعب على السعودية زيادة تجارتها واستثماراتها مع الولايات المتحدة، لما لذلك من تداعيات على إيرادات النفط والتوازنات المالية والحساب الجاري.

عام من الغموض

دخل الاقتصاد السعودي عام 2025 وهو في حالة جيدة، فالاقتصاد غير النفطي ينمو بقوة، والتضخم تحت السيطرة، ومعدل البطالة يقترب من مستوى قياسي منخفض. ومع ذلك، هناك حالة من الغموض نابعة من الولايات المتحدة قد تؤثر على الاقتصاد السعودي هذا العام. ومن بين أهم هذه العوامل تأثير السياسات الأميركية على سوق النفط العالمية، والتضخم والسياسة النقدية، والتجارة والاستثمار. أكثر من أي وقت مضى، سيكون لما يحدث في الولايات المتحدة تأثير جوهري على الاقتصاد السعودي خلال هذا العام.”

The post تأثير ترامب: تأثير الرئيس الأمريكي المحتمل على الاقتصاد السعودي appeared first on AGSI.

]]>
23780
التمييز بين الخيال والحقيقة: تجارة السعودية واستثماراتها مع الولايات المتحدة https://agsi.org/ar/analysis/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%85%d9%8a%d9%8a%d8%b2-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d9%8a%d8%a7%d9%84-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%82%d9%8a%d9%82%d8%a9-%d8%aa%d8%ac%d8%a7%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b3/ Thu, 30 Jan 2025 00:16:16 +0000 https://live-agsi.pantheonsite.io/?post_type=analysis&p=23781 تعد السعودية شريكًا مالياً واقتصادياً مهماً للولايات المتحدة، ولكن يتم حالياً المبالغة في أبعاد الاستثمارات والتجارة السعودية الفعلية المحتملة مع الولايات المتحدة.

The post التمييز بين الخيال والحقيقة: تجارة السعودية واستثماراتها مع الولايات المتحدة appeared first on AGSI.

]]>
“قال الرئيس دونالد ترامب إنه سيفكر في جعل السعودية وجهته الخارجية الأولى إذا اشترت المملكة منتجات بقيمة 500 مليار دولار من الولايات المتحدة. كما زعم أنه خلال فترة رئاسته الماضية وافقت السعودية على شراء منتجات أمريكية بقيمة 450 مليار دولار. وفي مكالمة هاتفية مع ترامب، حسبما أوردت وكالة الأنباء السعودية، “أكد صاحب السمو الملكي ولي العهد على عزم المملكة توسيع استثماراتها وتجارتها مع الولايات المتحدة على مدى السنوات الأربع المقبلة بمقدار 600 مليار دولار، وربما أكثر من ذلك”. بعد بضعة أيام، وخلال كلمته [الافتراضية] أمام المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا، اقترح الرئيس الأمريكي على المملكة رفع التزاماتها تجاه الولايات المتحدة إلى تريليون دولار، كما دعا السعودية ومنظمة أوبك إلى خفض سعر النفط (الأمر الذي سيزيد من صعوبة تحقيق الالتزامات التجارية والاستثمارية). وأخيراً، ذكر وزير المالية السعودي محمد الجدعان أن لدى السعودية “استثمارات في الولايات المتحدة بقيمة تتجاوز 770 مليار دولار”.

هنالك علاقات مالية واقتصادية قوية بين الولايات المتحدة والسعودية. فالولايات المتحدة هي ثاني أكبر مصدر سلع للسعودية (على الرغم أنها تأتي بفارق كبير خلف الصين التي تحتل المركز الأول)، في حين يحتفظ المستثمرون السعوديون بكميات كبيرة من الأوراق المالية للخزانة وغيرها من الأصول المالية الأمريكية. وعلاوة على ذلك، فإن الريال السعودي مرتبط بالدولار الأمريكي، ويتم تسعير النفط، وهو أهم الصادرات السعودية الرئيسية، بالدولار الأمريكي.

ليس من السهل التحقق من الأرقام التي ذكرها ترامب والجدعان وولي العهد محمد بن سلمان. فالتعريفات ليست واضحة دائماً، والبيانات المتعلقة بالاستثمارات السعودية في الولايات المتحدة ليست شاملة، وثمة أخطاء وثغرات في بيانات ميزان المدفوعات السعودي، قد تعني أن وارداتها مسجلة بأقل من قيمتها الحقيقية. ومع وضع هذه القيود في الاعتبار، فإن ما سنورده يعد من أفضل الجهود المبذولة لتجميع المعلومات ذات الصلة بالعلاقات التجارية والاستثمارية بين الولايات المتحدة والسعودية لمعرفة الأرقام التي تصمد أمام التدقيق وتلك التي لا تصمد.

مشتريات السعودية من السلع والخدمات الأمريكية

حتى وإن كانت السعودية قد وافقت على شراء منتجات أمريكية بقيمة 450 مليار دولار خلال الفترة الرئاسية السابقة لترامب، فإن المشتريات بهذا الحجم لم تتحقق.

صدّرت الولايات المتحدة ما قيمته 455 مليار دولار من السلع والخدمات للسعودية على مدار الخمس والعشرين سنة الماضية مجتمعة وفقًا لبيانات مكتب التحليل الاقتصادي. وخلال الفترة ما بين عامي 2017 و2020، بلغ إجمالي صادرات الولايات المتحدة من السلع والخدمات إلى السعودية 92 مليار دولار. ويعد إجمالي هذه السنوات الأربع أقل من الإجمالي المسجل خلال فترة ولاية الرئيس باراك أوباما الثانية، وقد بلغ 110 مليارات دولار. وإذا استثنينا عام 2020 الذي شهد جائحة فيروس كورونا، فإن المتوسط السنوي لصادرات الولايات المتحدة من السلع والخدمات للسعودية لا يزال أقل بحوالي 4 مليارات دولار في الفترة بين 2017-2019 مقارنة بسنوات أوباما. تعد البيانات الصادرة عن هيئة الإحصاء السعودية أقل شمولية من البيانات الأمريكية، لأنها تشمل فقط التجارة في السلع (وليس الخدمات)، لكنها تكشف عن نمطٍ مشابه تماماً. وحتى لو افترضنا أن بعض عقود المشتريات التي تم توقيعها في ظل رئاسة ترامب كانت تستلزم تسليم سلع وخدمات بعد مغادرته لمنصبه، فإن ذلك لن يرفع رقم الصادرات ليقترب من 450 مليار دولار.

(المصدر: مكتب التحليل الاقتصادي، الهيئة العامة للإحصاء)

لو افترضنا أن الرقم 450 مليار دولار، الذي اقترحه ترامب، يشمل مشتريات المستثمرين السعوديين للأصول المالية الأمريكية، فإن الرقم لا يزال يبدو مرتفعاً للغاية. فقد زادت الأصول الأجنبية السعودية بنحو 200 مليار دولار بين نهاية عام 2016 ونهاية عام 2020. وحتى لو كانت كل هذه الزيادة بسبب شراء الأصول المالية الأمريكية (وهو أمر مستبعد لأن بيانات وزارة الخزانة الأمريكية تشير إلى أن مقتنيات المحفظة السعودية من الأسهم والسندات الأمريكية ازدادت بنحو 130 مليار دولار بين نهاية عام 2016 ونهاية عام 2020)، فإن هذه المشتريات، إلى جانب صادرات السلع والخدمات، مجموعها الكلي أقل من 300 مليار دولار خلال الفترة 2017-2020.

الاستثمار السعودي في الولايات المتحدة

قد يكون لدى السعودية استثمارات بقيمة 770 مليار دولار في الولايات المتحدة، ولكن من الصعب إثبات ذلك من خلال المعلومات المتاحة للجمهور. 

يبلغ إجمالي الأصول السعودية الخارجية قرابة 1.5 تريليون دولار في نهاية الربع الثالث من عام 2024. وبالتالي فإن الرقم الذي ذكره الجدعان – 770 مليار دولار- يشير إلى أن حوالي نصف الأصول السعودية الخارجية يتم استثمارها في الولايات المتحدة. وهذا بالتأكيد ممكن، نظراً للترابط الوثيق بين الأنظمة الاقتصادية والمالية الأمريكية والسعودية. تشير البيانات التي نشرها صندوق النقد الدولي إلى أن 53% من احتياطي التبادل الخارجي العالمي، وهي جزء من إجمالي الأصول الخارجية، مرصودة بالدولار الأمريكي (مع أن ذلك لا يعني بالضرورة أنها مرصودة في أصول مالية أمريكية)، وهناك سبب للاعتقاد بأن حصة الدولار للسعودية قد تكون أعلى من المتوسط نظراً لارتباطها بنسبة صرف الدولار الأمريكي، والاعتماد على النفط الذي يتم تسعيره بالدولار.

وفي حين أن الرقم 770 مليار دولار من الاستثمارات السعودية يبدو ممكناً، إلا أنه من الصعب التحقق منه. فالبيانات التي سنبحثها أدناه تشير لوجود ما يقدر بنحو 490 مليار دولار من الاستثمارات السعودية في الولايات المتحدة. تُظهر بيانات وزارة الخزانة الأمريكية أنه في نهاية الربع الثالث من عام 2024، بلغت مقتنيات المحفظة السعودية المحددة من الأوراق المالية الأمريكية طويلة الأجل (بما في ذلك سندات الخزانة وسندات الوكالات وسندات الشركات والأسهم) 350 مليار دولار. ومع ذلك، فإن حوالي ربع إجمالي مقتنيات المحافظ الأمريكية من الأوراق المالية الأمريكية يتم الاحتفاظ بها في مراكز مالية خارجية، مثل برمودا وجزر كايمان وأيرلندا ولوكسمبورج. وفي حين أنه من المستحيل معرفة ما إذا كان المستثمرون السعوديون يحتفظون بأوراق مالية أمريكية من خلال هذه المراكز المالية، إلا أنه من المرجح أن لديهم مثل هذه الأوراق المالية. إذا تم تطبيق آلية تخصيص بسيطة، حيث يتم تخصيص المقتنيات في هذه المراكز المالية الأربعة وفقاً لحصة الاستثمارات المحددة، فإن ذلك سيضيف ما يقارب 110 مليارات دولار أخرى إلى الأصول التي تمتلكها السعودية. وتُظهر بيانات أخرى ذات صلة من بنك التسويات الدولية أن إجمالي التزامات البنوك الأمريكية للمقيمين السعوديين يبلغ حوالي 24 مليار دولار، في حين بلغ رصيد الاستثمار السعودي الخارجي المباشر في الولايات المتحدة 9.5 مليار دولار في نهاية عام 2023، وفقاً لمكتب التحليل الاقتصادي.

هل من الممكن تحقيق 600 مليار دولار من التجارة والاستثمار؟

إن الالتزام بزيادة التجارة والاستثمار السعودي مع الولايات المتحدة بما لا يقل عن 600 مليار دولار على مدى السنوات الأربع القادمة يعد أمراً مفرطاً في التفاؤل، ومن غير المرجح تحقيقه. 

إن التزاماً بحجم 600 مليار دولار لا بد من وضعه ضمن سياقه الصحيح. هذا يعني أن معدل 150 مليار دولار سنوياً يعادل 14% من الناتج المحلي الإجمالي السنوي للسعودية، و40% من عائدات صادراتها السنوية، وما يزيد قليلاً عن 50% من وارداتها السنوية من السلع والخدمات. وللتوضيح، فإن 9% من واردات السعودية من السلع حتى الآن في عام 2024 جاءت من الولايات المتحدة مقارنة بـ 23% من الصين.

من المرجح أن تزداد مشتريات السعودية من السلع والخدمات الأمريكية على مدى السنوات الأربع المقبلة مع استمرار المملكة في سعيها لتنويع اقتصادها وتعزيز قدراتها العسكرية. سوف تجد الشركات الأمريكية في السعودية سوقاً آخذةً بالتوسع في قطاعات الدفاع والتكنولوجيا والبناء والمالية والسياحة والترفيه والصحة والتعليم. ومع ذلك، حتى لو افترضنا بتفاؤل أن الصادرات الأمريكية من السلع والخدمات للسعودية ستنمو بنسبة 10% سنوياً خلال رئاسة ترامب، فإن إجمالي هذه الصادرات سيبلغ 125 مليار دولار أميركي خلال فترة ولايته الممتدة لأربع سنوات. وليس من المرجح لعقود الشراء متعددة السنوات المتفق عليها خلال السنوات الأربع المقبلة، والتي سيتم الوفاء بها على مدى فترة أطول، أن تضيف زيادة كبيرة لهذا الرقم.

وبالتالي ينبغي أن تأتي المبالغ المتبقية والبالغة 475 مليار دولار عبر استثمارات جديدة. ومرة أخرى، يبدو من المرجح أن الاستثمارات السعودية في الولايات المتحدة سوف تنمو مع سعي البلاد لنقل المهارات والتكنولوجيا والخبرات من الشركات الأمريكية إلى الاقتصاد المحلي، ولكن حجم الالتزام يبدو كبيراً للغاية.

يتوقع صندوق النقد الدولي أن تعاني السعودية من عجزٍ في الحساب الجاري خلال الفترة 2025-2028. وإذا صحت هذه التوقعات، فسوف تفقد المملكة فائض الحساب الجاري الذي حققته في السنوات الماضية (حيث شهدت 15 سنة من السنوات الـ 18 الماضية فائضاً في الحساب الجاري)، ولن تستطيع إعادة توظيف الفائض في النظام المالي العالمي كاستثمارات جديدة. وهذا يعني أن الاستثمارات الإضافية في الولايات المتحدة لا بد أن تأتي من إعادة تخصيص الأصول الأجنبية القائمة أو زيادة الالتزامات لتمويل الاستثمارات الجديدة من خلال إصدار الديون أو بيع الأصول المحلية للمستثمرين الأجانب. وفي حين أن كل ذلك ممكن، بل ومرجح بالفعل إلى حد ما، إلا أن الوفاء بالالتزامات فقط من خلال إعادة تخصيص الأصول الأجنبية القائمة سيعني الاحتفاظ بأكثر من 80% من الأصول الأجنبية السعودية داخل الولايات المتحدة.

السنوات الأربع القادمة

سوف يستمر تعزيز العلاقات الاقتصادية والمالية بين الولايات المتحدة والسعودية في ظل قيادة ترامب، ولكن الأرقام التي يتم تقديمها حول ماضي ومستقبل التجارة والاستثمار السعودي مع الولايات المتحدة تبدو مرتفعة للغاية بشكل عام.

والسؤال الذي لا مفر من طرحه يتعلق بمدى ملاءمة الزيادة في التجارة والاستثمار مع الولايات المتحدة بالحجم الذي يجري الحديث عنه مع أجندة الإصلاحات في رؤية 2030. فقد أشار صندوق الاستثمارات العامة، وهو الوسيلة الرئيسية في البلاد الذي يتولى قيادة إصلاحات رؤية 2030، مؤخراً إلى أنه يعتزم تركيز المزيد من استثماراته في الاقتصاد الداخلي بدلاً من الاقتصاد الخارجي في محاولة منه لتسريع النمو والتنويع. وقد لا يبدو هذا متماشياً مع زيادة التجارة والاستثمار مع الولايات المتحدة، لا سيما في وقت انخفضت فيه عائدات النفط بشكل كبير عن ذروتها الأخيرة.

وأخيرًا، فإن ما يزيد الوضع تعقيداً هو طلب ترامب من السعودية ومنظمة أوبك خفض أسعار النفط. فانخفاض عائدات النفط سوف يزيد من صعوبة تحقيق طموحات الإنفاق المحلي والالتزامات التجارية والاستثمارية الجديدة. وستشكل الاستجابة للطلبات الواردة من الإدارة الأمريكية الجديدة اختباراً صارماً للسلطات السعودية. إن الوفاء بتحقيق الأهداف الاقتصادية المحلية مع الحفاظ على تأييد الإدارة الأمريكية سيكون بصعوبة بمثابة مهمة شاقة.”

The post التمييز بين الخيال والحقيقة: تجارة السعودية واستثماراتها مع الولايات المتحدة appeared first on AGSI.

]]>
23781
كأس العالم 2034 يضع السعودية على الساحة العالمية https://agsi.org/ar/analysis/%d9%83%d8%a3%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%85-2034-%d9%8a%d8%b6%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%b9%d9%88%d8%af%d9%8a%d8%a9-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a7%d8%ad%d8%a9-%d8%a7%d9%84/ https://agsi.org/ar/analysis/%d9%83%d8%a3%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%85-2034-%d9%8a%d8%b6%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%b9%d9%88%d8%af%d9%8a%d8%a9-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a7%d8%ad%d8%a9-%d8%a7%d9%84/#respond Wed, 11 Dec 2024 00:55:55 +0000 https://live-agsi.pantheonsite.io/?post_type=analysis&p=23821 ستشكل استضافة كأس العالم فرصة عظيمة للسعودية في دعم الإصلاحات المرتبطة برؤية2030 . وفي حين أن الاستعدادات للبطولة ستكون مكلفة، إلا أنها ستعزز النمو الاقتصادي، ومن شأنها أن تدفع نحو المزيد من التغيير الاجتماعي.

The post كأس العالم 2034 يضع السعودية على الساحة العالمية appeared first on AGSI.

]]>
“سيعلن الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) في 11 ديسمبر/كانون الأول أن المملكة العربية السعودية ستستضيف كأس العالم في عام 2034. وفي حين أن هذا لن يكون مفاجئاً نظراً لأن السعودية هي الدولة الوحيدة التي تقدمت بطلب الاستضافة. إلا أنه مع الإعلان الرسمي، سوف تبدأ ساعة الاستعدادات المكثفة تدق لمدة عشر سنوات قبل انطلاق المباريات الكبرى. ستكون بطولة 2034 هي الأولى التي تقام في دولة مضيفة واحدة ضمن الشكل الجديد الذي يضم 48 منتخباً وطنياً. سوف تضم كل من بطولتي 2026 و2030 أيضًا 48 منتخباً متنافساً، ولكن ستقام كل من البطولتين في عدة دول مضيفة: كندا والمكسيك والولايات المتحدة في عام 2026، والمغرب والبرتغال وإسبانيا في عام 2030.

تعد بطولة كأس العالم الحدث الرياضي الأكثر مشاهدة في العالم. وتشير التقديرات إلى أن ما يقارب من  5.4 مليار إنسان قد شاهدوا البطولة التي أقيمت في قطر عام 2022 عبر شاشات التلفزيون، وأن 3.4 مليون شخص قد حضروا المباريات. لذلك فإن استضافة السعودية لبطولة كأس العالم 2034 توفر لها فرصة كبيرة لتقديم نفسها على الساحة العالمية، وجذب الزوار إلى البلاد، واستعراض الإصلاحات الطموحة التي تسعى لتحقيقها في إطار رؤية 2030. وسيتيح هذا الحدث للبلاد الفرصة أيضاً لمعالجة الانتقادات التي واجهتها في بعض أنحاء العالم بسبب سجلها في مجال حقوق الإنسان، ولمناصرتها المستمرة لاستخدام الوقود الأحفوري.

كأس العالم السعودي

تعد استضافة بطولة كأس العالم الركيزة الأساسية لجهود السعودية لكي تصبح لاعباً عالمياً في مجال الرياضة والترفيه. وبالإضافة إلى كأس العالم، ستستضيف السعودية دورة الألعاب الآسيوية الشتوية عام 2029، ومعرض إكسبو العالمي عام 2030، ودورة الألعاب الآسيوية عام 2034. وثمة شائعات بأن السعودية تعتزم في نهاية المطاف استضافة الألعاب الأولمبية.

ستعمل استضافة كأس العالم على تجميع العديد من عناصر الإصلاح في رؤية 2030 – كالرياضة والترفيه والسياحة والالتزام بتحسين نوعية حياة السعوديين على نطاق أشمل من خلال التنمية الحضرية. لقد دأبت المملكة على الإنفاق بكثافة، خاصة من خلال صندوق الاستثمارات العامة، على الألعاب الرياضية الأجنبية والمحلية. في كرة القدم، استثمر صندوق الاستثمارات العامة في نادي نيوكاسل يونايتد من الدوري الإنجليزي الممتاز، واستحوذ على الحصة الأكبر في ملكية أربع فرق من الدوري السعودي للمحترفين. كان لهذه الفِرق دور أساسي في جلب أفضل النجوم العالميين، مثل كريستيانو رونالدو، للدوري المحلي. كما تحصّلت أرامكو، شركة النفط الوطنية، على حقوق رعاية كأس العالم للرجال عام 2026 وكأس العالم للسيدات عام 2027.

يتم الاستثمار بصورة كبيرة في تنمية قطاعي السياحة والترفيه، ويشمل ذلك، الاستثمار في تطوير التراث والثقافة في منطقة العلا والدرعية، والسياحة على ساحل البحر الأحمر، والمنطقة الرياضية والترفيهية في القدية، ومهرجانات “”مواسم السعودية”” التي تقدم مجموعة من الفعاليات الرياضية والترفيهية والثقافية في جميع أنحاء البلاد.

كأس العالم يمكن أن يترك إرثًا، اسألوا قطر

غالبًا ما يتم التشكيك في الفوائد الاقتصادية الناجمة عن استضافة الفعاليات الرياضية أو الثقافية الكبرى، بسبب التكلفة الباهظة اللازمة لإنشاء البنية التحتية، التي يمكن تعويضها بالإيرادات الجديدة التي يمكن تحقيقها. ومع ذلك، فإن استضافة كأس العالم 2022 كانت بمثابة ركيزة لاستراتيجية التنمية في قطر، حيث أسهمت في تنمية البنية التحتية، والتي تمحورت حولها جهود واسعة النطاق لتحديث وتنويع الاقتصاد، وجعله أكثر قدرة على المنافسة. في حين كان تدفق مشجعي كرة القدم من جميع أنحاء العالم، كما كان متوقعاً، مصحوباً بنوع من القلق من قبل المواطنين القطريين، فقد تم الحُكم على الحدث بأنه ناجح بصورة كبير. أما القلق المحلي بشأن المتفرجين المشاغبين فلم يتحقق، لأنه كان للتدابير الأمنية والمواصلات الفعّالة، وإقامة مناطق منفصلة للمشجعين، وقرار قطر بمنع الكحول في الملاعب، دور في إبقاء الأمور منظمة. كما أن الحظر الذي فرض على الكحول قد سهل على القطريين، بمن فيهم النساء، الاستمتاع بالفعاليات. فقد أدى الانتصار المبكر الذي تحقق على أرض الملعب من قبل المنتخب السعودي على منتخب الأرجنتين، الذي فاز بالبطولة في نهاية المطاف، والتفوق الكبير للمنتخب المغربي، إلى تحقيق قدر هائل من الفخر والإشادة في العالم العربي، الأمر الذي أفضى إلى حد ما لتحييد التغطية الإعلامية السلبية الكبيرة التي تراكمت علي مدي سنوات، وتركزت علي توجيه الانتقادات بشأن توظيف ومعاملة العمالة الأجنبية في مراحل التحضير لهذا الحدث الكبير.

في حين لم يتم نشر أية أرقام رسمية، إلا أن تقديرات صندوق النقد الدولي تشير إلى أن التكلفة الإجمالية لاستضافة البطولة تتراوح ما بين 200 و300 مليار دولار. وتقدر مجلة فوربس التكلفة الإجمالية بنحو 220 مليار دولار، وهو ما يعادل 92% من الناتج المحلي الإجمالي لقطر في عام 2022. ولم ينفق منها لإنشاء الملاعب الجديدة سوى جزء بسيط نسبياً (ما بين 7 إلى 10 مليارات دولار). لقد أنفقت معظم المبالغ المتبقية على تحسين البنية التحتية للمواصلات وزيادة سعة الفنادق.

وتشير التقديرات إلى أن بطولة كأس العالم قد قدمت دفعة مهمة للنمو الاقتصادي في قطر. وخلص صندوق النقد الدولي إلى أن الاستثمار في البنية التحتية قبل البطولة قد عزز الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي غير النفطي بمعدل 5-6 نقاط مئوية سنوياً خلال الفترة من 2011 إلى 2022، وأن الاستضافة الفعلية للبطولة زادت النمو في عام 2022 بنسبة بين 0.7 نقطة إلى  نقطة مئوية واحدة. ووصل حوالي 1.4 مليون زائر إلى قطر لمشاهدة كأس العالم. واستمر وصول الزوار بقوة بعد بطولة كأس العالم. في عام 2023، وصل عدد الزوار إلى ضعف مستواه قبل جائحة فيروس كورونا. ويشير هذا إلى أن لكأس العالم تأثيراً إيجابياً طويل الأجل على الاقتصاد القطري.

فرص وتحديات أمام السعودية

من الممكن استخدام قطر كمؤشر معياري لما يمكن توقعه من مباريات كأس العالم في السعودية. ومع أنه يوجد اختلافات كبيرة في حجم السكان والاقتصاد بين السعودية وقطر، إلا أن قنوات التأثير الاقتصادي والاجتماعي لاستضافة كأس العالم متشابهة إلى حد ما. فكلا البلدين يعتمدان على المنتجات النفطية، ويعتمدان بشكل كبير على العمالة الأجنبية في القطاع الخاص، ويقومان الآن بتنفيذ برامج إصلاح طموحة لتحديث الاقتصاد وتنويعه. وفي حين أن قطاع السياحة الترفيهية في السعودية حديث العهد، إلا أنها تتمتع بخبرة طويلة في إدارة التدفق الكبير من الزوار الأجانب لأداء فريضة الحج السنوية، التي جاءت بـ 1.6 مليون شخص إلى البلاد في عام 2024.

التأثير الاقتصادي

لم يعرض الملف السعودي المقدم للفيفا أي تقديرات لتكاليف استضافة بطولة 2034، ولكن الحجم المتوقع لتطوير البنية التحتية قبل كأس العالم ضخم. وقد تعهدت السعودية بتجهيز 15 ملعباً للبطولة. أربعة منها فقط جاهزة للاستخدام في الوقت الحالي، وهناك ثلاثة أخرى قيد الإنشاء. وبالإضافة إلى عملية بناء الملاعب الكبيرة، لابد من إدخال الكثير من التحسينات على البنية التحتية للمواصلات والفنادق. يُنظر للكثير من النفقات التي سيتم انفاقها على هذه البنية التحتية باعتبارها جزء من إصلاحات رؤية 2030. وتجري الآن تحسينات على شبكات النقل الجوي والطرق والسكك الحديدية والمترو والحافلات، بالإضافة إلى ما يجري الآن من زيادة كبيرة في عدد الغرف الفندقية، كجزء من تطوير قطاعي الخدمات اللوجستية والسياحة. والواقع أن نظام المترو في الرياض، حيث ستقام ثمانية من الملاعب المخصصة للبطولة، قد بدأ للتو في العمل.

وفي تقرير صادر عن شركة نايت فرانك (Knight Frank) في وقت سابق من هذا العام، تم تقدير مشاريع البنية التحتية والعقارات التي تم الإعلان عنها في إطار رؤية 2030 بحوالي 1.3 تريليون دولار. ليست كل هذه المشاريع مرتبطة ببطولة كأس العالم، ولكن في الوقت ذاته فإن كأس العالم سيضيف بعض المشاريع الإضافية التي لم يأخذها التقرير في الاعتبار.

من الممكن لبناء الملاعب وتطوير البنية التحتية للمواصلات أن تكلف ما لا يقل عن 150 مليار دولار. وتشير التقديرات التقريبية إلى أن تكلفة بناء أو ترميم الملاعب الخمسة عشر قد تصل إلى ما يقارب 25 مليار دولار (هذا التقدير مستمد من التكلفة التي تم تقديرها للملاعب في قطر بعد تعديلها وفقًا للتضخم اللاحق في تكاليف البناء في الولايات المتحدة والفرق في متوسط ​​سعة الملاعب المتوقعة). وقد تصل قيمة مشاريع البنية التحتية الملحة لنجاح كأس العالم (المطار وغيره من مشاريع النقل والمواصلات) إلى 125 مليار دولار. كما ستكون هناك حاجة ماسة للاستثمار في مرافق تدريب الفرق وإنشاء المرافق الإعلامية وتوفير مناطق للمشجعين في البلاد. وسوف تضاف هذه الاستثمارات إلى التكاليف، ولكن مقدار الزيادة غير واضح.

كما أن تكلفة توفير أماكن الإقامة للاعبين والمشجعين ليست واضحة حتى الآن. ومن المتوقع أن تُطرح عطاءات لإضافة 185000 غرفة فندقية أو غرف في شقق فندقية في المدن الخمس المضيفة قبل البطولة. وهذا يمثل زيادة قدرها أربعة أضعاف الغرف المتوفرة حالياً، وهي 47 ألف غرفة فقط. وفي حين أنه من المخطط للمشاريع العقارية التي تم تحديدها في تقرير نايت فرانك أن تضيف ما يزيد على 360 ألف غرفة فندقية في المملكة في السنوات القادمة، فإنه من المخطط إقامة العديد منها في نيوم. وحدد التقرير أن مشاريع الرياض سوف تضيف 30 ألف غرفة فندقية، لكن مستند المناقصة ينص على أن الزيادة المزمع إضافتها لما هو قائم بالفعل تصل إلى 106 ألف غرفة في المدينة.

إذا تبين أن تكلفة استضافة كأس العالم ستبلغ 250 مليار دولار، وهي نصف التقديرات بالنسبة لقطر، فمن شأن البطولة أن تعزز النمو غير النفطي الحقيقي من الناتج المحلي الإجمالي بنحو 1.25 نقطة مئوية سنوياً على مدى العقد المقبل. إن أصغر التأثيرات التي تم تقديرها للتنمية في للسعودية مقارنة بقطر تعكس الحجم الأكبر للاقتصاد السعودي غير النفطي – تبلغ التكاليف المقدرة لكأس العالم نحو 35% من الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي في عام 2024 مقارنة بأكثر من 400% من الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي في قطر في عام 2010 (عندما حازت قطر على استضافة كأس العالم لعام 2022). في عام 2034، من المرجح أن يكون التأثير على الاقتصاد السعودي أكبر، حيث إن تدفق الزوار للبطولة يعزز الإنفاق. ومن الممكن للجمع بين المزيد من المباريات (104 مقارنة بـ 64 في عام 2022) والمدرجات الأكبر أن تأتي بحضور يزيد على 5 ملايين مشجع مقارنة بـ 3.4 مليون في قطر. وإذا كان نصف هؤلاء الوافدين من الخارج، فإن ذلك سيعادل 10 في المئة من السياح الوافدين إلى المملكة في العام 2023.

إن استضافة البطولة لا تخلو من المخاطر الاقتصادية. وسوف يكون من الصعب ضمان استكمال بناء البنية التحتية في الوقت المحدد والتكاليف المقررة، ولا سيما في ظل العديد من المشاريع الأخرى التي يجري تنفيذها، أو المزمع تنفيذها في المملكة. وقد يكون من الصعب تجنب تجاوز التكاليف وتأخير المشاريع. وعلاوة على ذلك، فإن استمرار انخفاض عائدات النفط لفترة طويلة في مرحلة ما من العقد المقبل من شأنه أن يفرض ضغوطًا على قدرات المملكة على تمويل جميع المشاريع المخطط لها. وفي حين تعد بطولة كأس العالم وغيرها من الأحداث العالمية والإقليمية من الأولويات العليا، فقد يكون من الضروري تقليص أو إلغاء مشاريع أخرى من مشاريع رؤية 2030 إذا انخفضت عائدات النفط عما هو متوقع.

التأثير الاجتماعي

لقد دأبت القيادة السعودية على الترحيب بالزوار الأجانب، والمواهب والاستثمارات الأجنبية في المملكة كجزء من توسيع سياستها في الانفتاح الاقتصادي والاجتماعي. وسوف تحتضن المملكة بطولة كأس العالم 2034 باعتبارها فرصة للبناء على هذه العلاقات الدولية، وإبراز التغيرات الهائلة التي تشهدها المملكة حالياً. ولتحقيق هذه الغاية، فإن الجمهور الكبير والحشود المتنوعة التي تجتذبها المملكة ستكون بمثابة مكسباً كبيراً. ومع ذلك، ستبقى ثمة مخاطر وتحديات ثقافية في استضافة مثل هذا الحدث العالمي.

لا يكفي أن تتركز الاستعدادات على المرافق فقط، بل لا بد أن تركز كذلك على رأس المال البشري وإدارة التوقعات الشعبية. ولابد من النظر في مسألة الكحول المحظور في السعودية، وإذا تمت الموافقة عليها حتى ولو ضمن إجراءات صارمة فإن ذلك سيثير ردود فعل شعبية عنيفة فوراً. ومن المرجح للانتقادات الدولية بشأن قضايا تتراوح ما بين تمكين المرأة إلى التحيز ضد مجتمع الميم وحقوق الإنسان أن تشكل بؤر توتر، كما كان عليه الحال في قطر. وقد ينطبق هذا بشكل خاص على قضية العمالة الوافدة، والتي تحظى بالفعل باهتمام منظمات حقوق الإنسان، مثل منظمة هيومن رايتس ووتش. لقد بثت قناة آي تي في (ITV) البريطانية فيلماً وثائقياً مؤخراً زعمت فيه أن أكثر من 21 ألف عامل وافد لقوا حتفهم أثناء بناء مشاريع عملاقة في إطار رؤية 2030 السعودية، على الرغم من نفي السلطات السعودية لهذه المزاعم. وما تزال القيود المفروضة على العمال الأجانب مستمرة. في حين تم إجراء إصلاحات محدودة في نظام الكفالة في عام 2021 للسماح لبعض العمال بتغيير وظائفهم بسهولة أو طلب تصريح خروج دون موافقة الكفيل، إلا أن مدى فاعلية هذه الإصلاحات لم يتضح بعد في الواقع العملي. من الممكن للسعودية أن تستفيد من تجربة قطر في هذا السياق، ومن الوقت الإضافي المتاح لها للبحث في إجراء المزيد من الإصلاحات، وتحضير شعبها والجمهور الدولي لهذه التغييرات.

هل يكون كأس العالم دفعة إيجابية للمنطقة؟

من شأن استضافة السعودية لمباريات كأس العالم أن تؤدي إلى تحقيق فوائد نمو إيجابية في المنطقة على الرغم من أن التأثير المباشر والفوري على دول الخليج المجاورة من المرجح أن يكون محدوداً. ووفقًا لصندوق النقد الدولي، فإن الإمارات العربية المتحدة كانت أكثر دول المنطقة استقبالاً للسياحة المرتبطة بكأس العالم بعد قطر، الأمر الذي ساهم في النمو بنحو 0.1٪ من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2022. كانت هذه “”الانعكاسات الإقليمية الإيجابية”” أقل بكثير من المساهمة قريبة المدى في اقتصاد الدولة المضيفة. ومع ذلك، فإنه من شأن إقامة كأس العالم في السعودية أن تحفز دول مجلس التعاون الخليجي على تطبيق التأشيرة السياحية الموحدة، وسيوفر ذلك لهذه الدول الوقت الكافي لتسوية أي خلافات تتعلق بالتنقل بين دول المجلس. ومن المتوقع أن تكون التأشيرة الخليجية الموحدة، المماثلة لتأشيرة شينجن، متوفرة بحلول نهاية عام 2024 أو أوائل عام 2025.

من شأن عملية تدفق الزوار المرتبطة بكأس العالم أن توفر فرصاً للمنطقة بأسرها. سيتم تعزيز حركة الطيران المدني في دول الخليج، ولا سيما الإمارات وقطر، حيث يلعب قطاع الطيران هناك دوراً أساسياً في الاقتصاد. فقد استقبل المطاران التجاريان الرئيسيان في قطر رحلات جوية من مطار آل مكتوم الدولي أكثر من أي مطار آخر خلال كأس العالم 2022. وسوف تسعى شركات الطيران السعودية، بما في ذلك شركة طيران الرياض الجديدة، التي من المتوقع أن تباشر عملها في عام 2025، للاستفادة من التدفقات السياحية المستقبلية، شأنها في ذلك شأن شركات الطيران الإقليمية الأخرى المعتمدة.

ومن المحتمل أن تتكشف على المدى البعيد انعكاسات إقليمية أخرى يصعب تحديد مقدارها. وقد يساعد الإنفاق السعودي على مشاريع البنية الأساسية والعقارات المرتبطة بكأس العالم في الحفاظ على الشعور بالزخم الاقتصادي الإقليمي. وتمثل السعودية حوالي نصف الناتج المحلي الإجمالي الاسمي لدول مجلس التعاون الخليجي، وقد نجحت أجندة التحول الاقتصادي في إطار رؤية السعودية 2030 في تحقيق اهتمام كبير من جانب الشركات والمستثمرين الدوليين. ومن المرجح أن تستفيد الشركات في المنطقة من العقود الممنوحة لبناء مرافق بطولة كأس العالم، وغيرها من الأنشطة المرتبطة بالتحضير للبطولة. كما أن استمرار الزخم الاقتصادي في الخليج سيوفر أسساً أقوى للحكومات الإقليمية والشركات لتسليط الضوء على مزاياها التنافسية في السنوات التي تسبق عام 2034 والتي تليه. بالإضافة إلى ذلك فإن نجاح بطولة كأس العالم في عام 2034 سوف يرفع من مستوى الوعي العالمي بمنطقة الخليج ومكانتها ككل – وليس فقط السعودية – باعتبارها مركزاً للأحداث رفيعة المستوى.”

The post كأس العالم 2034 يضع السعودية على الساحة العالمية appeared first on AGSI.

]]>
https://agsi.org/ar/analysis/%d9%83%d8%a3%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%85-2034-%d9%8a%d8%b6%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%b9%d9%88%d8%af%d9%8a%d8%a9-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a7%d8%ad%d8%a9-%d8%a7%d9%84/feed/ 0 23821
سياسة توزيع الأرباح في أرامكو غير مستدامة وفقاً للنتائج المالية الأخيرة https://agsi.org/ar/analysis/%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d8%b3%d8%a9-%d8%aa%d9%88%d8%b2%d9%8a%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b1%d8%a8%d8%a7%d8%ad-%d9%81%d9%8a-%d8%a3%d8%b1%d8%a7%d9%85%d9%83%d9%88-%d8%ba%d9%8a%d8%b1-%d9%85%d8%b3%d8%aa%d8%af/ https://agsi.org/ar/analysis/%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d8%b3%d8%a9-%d8%aa%d9%88%d8%b2%d9%8a%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b1%d8%a8%d8%a7%d8%ad-%d9%81%d9%8a-%d8%a3%d8%b1%d8%a7%d9%85%d9%83%d9%88-%d8%ba%d9%8a%d8%b1-%d9%85%d8%b3%d8%aa%d8%af/#respond Tue, 12 Nov 2024 20:45:06 +0000 https://live-agsi.pantheonsite.io/?post_type=analysis&p=23837 من غير المرجح أن تتمكن أرامكو من الحفاظ على سياستها الحالية في توزيع عائدات الأسهم في ظل غياب انتعاش قوي في عائدات النفط. وقد يؤدي تخفيض الأرباح الموزعة إلى آثار سلبية على الأوضاع المالية للحكومة وصندوق الاستثمارات العامة.

The post سياسة توزيع الأرباح في أرامكو غير مستدامة وفقاً للنتائج المالية الأخيرة appeared first on AGSI.

]]>
“تكشف نتائج الربع الثالث المالية لشركة أرامكو أنه بالرغم من استمرارها كمصدر كبير للتدفقات النقدية، إلا أن انخفاض أسعار النفط وضعف هوامش أرباح التكرير، قد أضرا بصافي دخلها في عام 2024. لقد بلغ صافي دخل الشركة 84 مليار دولار في الثلاثة أرباع الأولى من عام 2024 مقارنة بـ 95 مليار دولار خلال الفترة نفسها من عام 2023.

على الرغم من هذا الانخفاض في صافي الدخل، فقد زادت أرامكو من توزيع أرباح الأسهم ورفعت من إنفاق رأس المال. سوف تدفع الشركة 124 مليار دولار كأرباح الأسهم في عام 2024 مقارنة بمبلغ 98 مليار دولار في عام 2023 و75 مليار دولار في عام 2022. ويأتي هذا انعكاساً لقرار الشركة الذي اتخذته منذ الربع الثالث من عام 2023، والمتمثل بدفع أرباح الأسهم المرتبطة بالأداء إلى جانب الأرباح الأساسية للشركة. وقد تم تحديد نسبة أرباح الأسهم المرتبطة بالأداء لتكون 70% من التدفق النقدي الحر في عامي 2022 و2023 (التدفق النقدي مخصوماً منه الإنفاق الرأسمالي وأرباح الأسهم الأساسية). وتشير التوجيهات التي قدمها المدراء التنفيذيون في أرامكو خلال اتصالاتهم الأخيرة المتعلقة بالأرباح مع المستثمرين إلى أن الإنفاق الرأسمالي في عام 2024 سيكون في نطاق 51 مليار دولار إلى 54 مليار دولار، مقارنة بـ 50 مليار دولار في عام 2023 و39 مليار دولار في عام 2022.

كانت أرامكو تمتلك مبلغ 135 مليار دولار من الاستثمارات النقدية وقصيرة الأجل ضمن ميزانيتها العمومية في نهاية عام 2022. ونتيجة لانخفاض الإيرادات وزيادة مدفوعات أرباح الأسهم، فإن صافي دخل الشركة قبل الفوائد والضرائب لم يعد كافياً لتغطية المدفوعات الضريبة ورسوم الامتياز والأرباح لهذا العام. ونتيجة لذلك، فقد طرأ انخفاض هائل على الاستثمارات النقدية وقصيرة الأجل، التي انخفضت إلى مستوى 70 مليار دولار في الربع الثالث من عام 2024. كما طرأت أيضاً زيادة متواضعة على الديون.

عائدات الأسهم غير مستدامة

ما لم يطرأ تحسن على عائدات النفط، ستواجه أرامكو صعوبات كبيرة للحفاظ على أرباح الأسهم عند مستوى عام 2024. وإذا ظل صافي دخل الشركة عند مستواه الحالي، واستمرت في سياستها الحالية لتوزيع الأرباح والإنفاق الرأسمالي، فسوف تتآكل احتياطياتها النقدية بسرعة في حال عدم زيادة الاقتراض أو مبيعات الأصول. تشير الحسابات التقريبية إلى أن الشركة ستحتاج إلى سحب نحو 50 مليار دولار من السيولة النقدية، أو الاقتراض من جديد، أو الإيرادات من بيع الأصول، للحفاظ على توزيع أرباح أسهم 2024 حتى عام 2025 مع تحقيق هدف الإنفاق الرأسمالي.

لم تقدم أرامكو أي التزام بتوزيع أرباح معينة للأسهم في عام 2025. واكتفت بالقول إنها ستحافظ على مبدأ الأرباح المرتبطة بالأداء. وعلى فرض أن معادلة حساب أرباح الأسهم المرتبطة بالأداء ظلت على حالها – 70% من التدفق النقدي الحر في العامين السابقين (2023 و2024) – وأن الربح الأساسي للسهم سيزداد في عام 2025 بنسبة 4% (الزيادة نفسها في عام 2024)، فإن إجمالي الأرباح التي ستدفعها أرامكو في عام 2025 ستبلغ نحو 100 مليار دولار. وحتى مع هذه الأرباح المتدنية للأسهم، فإن العائدات النقدية لشركة أرامكو سوف تستمر في التآكل في عام 2025، ولكن بوتيرة أبطأ.

التأثيرات المحتملة على الحكومة وصندوق الاستثمارات العامة

بصفتهما المساهمين الأكبرين في أرامكو، فإن الحكومة وصندوق الاستثمارات العامة هما المستفيدان الكبيران من زيادة أرباح الأسهم التي ستقوم الشركة بتوزيعها، وبالتالي فإنهما الخاسران الكبيران من أي تخفيضات.

الخبر السار هو أن “”بيان الميزانية التمهيدية للسنة المالية 2025″” الذي نشرته وزارة المالية مؤخراً، يفترض أن الإيرادات الحكومية سوف تنخفض (بنسبة 4%) في عام 2025، على الرغم من عدم الفصل بين الإيرادات النفطية وغير النفطية. ومع ذلك، ونظراً لعدم وجود ما يستدعي أن نتوقع انخفاض الإيرادات غير النفطية، يبدو أن الوزارة قد تتوقع انخفاض الإيرادات النفطية بنحو 27 مليار دولار في عام 2025 (أكثر بقليل من الخسارة المحتملة لأرباح الأسهم التي أشارت لها الحسابات أعلاه). وبالتالي، وفي ظل حالة الغموض الدائمة التي تكتنف توقعات الإيرادات، والناجمة عن التقلبات في سوق النفط العالمية، فإن التوقعات المرتبطة بالإيرادات في “”بيان الميزانية التمهيدية”” تبدو معقولة في هذه المرحلة. هناك المزيد من الأسئلة حول توقعات الإنفاق لعام 2025. من المتوقع أن ينخفض ​​الإنفاق الاسمي بنسبة 5% في عام 2025، وقد يكون من الصعب تحقيق ذلك.

أعلن صندوق الاستثمارات العامة أنه سيزيد استثماراته في الاقتصاد المحلي من 40 مليار دولار إلى 70 مليار دولار سنوياً. إن تخفيض مدفوعات أرباح أرامكو لن يكون مجدياً في ظل تزايد احتياجات التمويل. وسوف يحتاج صندوق الاستثمارات العامة بشكل متزايد لإيجاد مصادر تمويل بديلة من خلال الصفقات التي أعلن عنها مؤخرًا مع البنوك والمؤسسات المالية الأجنبية التي تقدم المساعدات في هذا الصدد.

تمويل رؤية 2030

تم استخدام ميزانية أرامكو العمومية لمساعدة الحكومة وصندوق الاستثمارات العامة في تمويل الإنفاق على مشاريع رؤية 2030 على مدار العامين الماضيين. وبما أن مصدر التمويل هذا مقيد للغاية، فمن المرجح أن يزداد استخدام الديون لتمويل مشاريع رؤية 2030 ما لم تنتعش عائدات النفط. ولكن الأخبار السارة تتمثل في انخفاض صافي ديون القطاع العام في السعودية. أما الأخبار السيئة فتتمثل في ازديادها بشكل كبير على مدار العقد الماضي. إضافة إلى ذلك، فإن طرح الديون في الأسواق الدولية عام 2025 بمستويات عام 2024 قد يضع رغبة المستثمرين في ديون القطاع العام السعودي تحت الاختبار ويزيد من تكاليف الاقتراض.”

The post سياسة توزيع الأرباح في أرامكو غير مستدامة وفقاً للنتائج المالية الأخيرة appeared first on AGSI.

]]>
https://agsi.org/ar/analysis/%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d8%b3%d8%a9-%d8%aa%d9%88%d8%b2%d9%8a%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b1%d8%a8%d8%a7%d8%ad-%d9%81%d9%8a-%d8%a3%d8%b1%d8%a7%d9%85%d9%83%d9%88-%d8%ba%d9%8a%d8%b1-%d9%85%d8%b3%d8%aa%d8%af/feed/ 0 23837
الانتخابات الأمريكية والاقتصاد السعودي https://agsi.org/ar/analysis/%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%86%d8%aa%d8%ae%d8%a7%d8%a8%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d8%b1%d9%8a%d9%83%d9%8a%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%82%d8%aa%d8%b5%d8%a7%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%b9/ https://agsi.org/ar/analysis/%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%86%d8%aa%d8%ae%d8%a7%d8%a8%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d8%b1%d9%8a%d9%83%d9%8a%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%82%d8%aa%d8%b5%d8%a7%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%b9/#respond Thu, 24 Oct 2024 20:06:50 +0000 https://live-agsi.pantheonsite.io/?post_type=analysis&p=23853 ليس من المرجح أن يكون لنتيجة الانتخابات الرئاسية الأمريكية تأثير كبير على الاقتصاد السعودي في عام 2025، ولكن قد يكون للاختلافات بين سياسات المرشحين تداعيات طويلة الأمد على المملكة.

The post الانتخابات الأمريكية والاقتصاد السعودي appeared first on AGSI.

]]>
“في معترك حملتهما الانتخابية قبيل الانتخابات الرئاسية في الخامس من نوفمبر/تشرين الثاني، حددت المرشحة الديمقراطية كامالا هاريس والمرشح الجمهوري الرئيس السابق دونالد ترامب أجندات مختلفة تماماً في السياسة الاقتصادية. ونظراً للعلاقات الوثيقة بين السعودية الولايات المتحدة من خلال سوق النفط العالمي وارتباط سعر الصرف بالدولار منذ أمد بعيد، فإن اقتصاد السعودية سيتأثر بأي تحولات كبيرة تحدث بعد الانتخابات في الأفق الاقتصادي للولايات المتحدة نتيجة لهذه الاختلافات في السياسات.

الاختلافات الرئيسية في السياسات الاقتصادية الكلية

يبدو أن هناك أربع اختلافات رئيسية هامة في السياسات الاقتصادية الكلية بين هاريس وترامب، تلك الاختلافات من شأنها أن تؤثر على الاقتصاد الأمريكي بعد الانتخابات.

السياسة المالية

أعلن كلاً من المرشحين عن مبادرات مالية جديدة مكلفة، وفي الوقت نفسه، تجنبا مناقشة التحديات المالية طويلة الأمد التي تواجه الولايات المتحدة. تقترح هاريس مزيجاً من التخفيضات الضريبية وزيادة في الضرائب المفروضة على الأثرياء وزيادة الإنفاق. وتتمحور مقترحات ترامب بشكل أساسي على خفض الضرائب على الأفراد والشركات. وفقًا للجنة الميزانية الفيدرالية المسؤولة، من المرجح أن تؤدي مقترحات ترامب إلى زيادة ديون الحكومة الفيدرالية بنسبة أكبر مقارنة بالزيادة الناجمة عن مقترحات هاريس- 7.5 تريليون دولار (17٪ من الناتج المحلي الإجمالي) مقارنة بـ 3.5 تريليون دولار (8٪ من الناتج المحلي الإجمالي) على التوالي بحلول عام 2035. إن هذه الزيادات، بالإضافة إلى تقديرات مفادها أن ديون الحكومة الفيدرالية سوف ترتفع من 99٪ من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2024 إلى 125٪ من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، في حال استمرار تطبيق السياسات الحالية.

خلاصة القول: ستبقى ديون الحكومة الفيدرالية في مسار تصاعدي بصرف النظر عمن سيفوز في الانتخابات، ولكن من المرجح أن ترتفع بوتيرة أسرع في ظل إدارة ترامب.

السياسة النقدية

قالت هاريس بأنها ستحترم استقلالية هيئة الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. على العكس من موقف ترامب، الذي هو من أشد منتقدي سياسة الاحتياطي الفيدرالي. فقد ذهب ترامب إلى حد اقتراح أن يكون للرئيس دور في عملية اتخاذ القرارات التي تحدد أسعار الفائدة. وفي حين أنه لم يوضح كيف يمكن أن يحاول التأثير على الاحتياطي الفيدرالي بما يتجاوز خطاباته وسلطته في ترشيح رئيس هيئة الاحتياطي الفيدرالي وغيره ممن يتم تعيينهم في مجلس الإدارة (بشرط مصادقة مجلس الشيوخ)، إلا أن أي إضعاف ملموس لاستقلالية هيئة الاحتياطي الفيدرالي من شأنه أن يلحق ضرراً جسيماً بالاقتصاد الأمريكي ومكانته في النظام المالي العالمي.

خلاصة القول: إذا تم انتخاب ترامب، فإن استقلالية الاحتياطي الفيدرالي ومصداقية السياسة النقدية الأمريكية ستوضع تحت المجهر.

سياسة الطاقة

لقد ارتبطت عبارتا: “”احفر يا عزيزي احفر”” و””أنا أكره الرياح”” بنهج ترامب في سياسة الطاقة. ومن المتوقع من إدارة ثانية لترامب أن تعمل على تخفيف القيود المفروضة على الترخيص لتطوير الوقود الأحفوري، وتقليص القيود البيئية، وتقليص أو إلغاء الدعم الفيدرالي للطاقة النظيفة. وبعد أن تراجعت عن دعواتها السابقة لحظر عملية التكسير الهيدروليكي لاستخراج النفط والغاز من الصخر الزيتي، وتحميل شركات النفط مسؤولية تكلفة التغير المناخي، من المرجح أن تستمر هاريس في سياسة إدارة الرئيس جوزيف بايدن المتمثلة في تشجيع تطوير الطاقة النظيفة، واستخدام المركبات الكهربائية، مع الإقرار بأن الوقود الأحفوري يبقى جزءاً أساسياً في مزيج الطاقة الأمريكي. وعلى الرغم من أجندة إدارة بايدن الطموحة بشأن المناخ، إلا أنها قد أشرفت على زيادة إنتاج النفط الأمريكي إلى أعلى مستوى له على الإطلاق، وأصبحت الولايات المتحدة هي أكبر دولة منتجة للنفط في العالم اليوم.

خلاصة القول: سوف يزداد إنتاج الولايات المتحدة من النفط بشكل أسرع، وسوف يتباطأ أكثر تنامي الطاقة النظيفة في ظل إدارة ترامب. 

سياسات التجارة والاستثمار الأجنبي

من المرجح أن تستمر هاريس في نهج إدارة بايدن الخاص بالتجارة والاستثمار الأجنبي. لقد حافظت إدارة بايدن على معظم التعريفات الجمركية التي فرضتها إدارة ترامب السابقة، وأضافت تعريفات انتقائية جديدة، واستخدمت الإعانات لتشجيع الإنتاج المحلي في القطاعات الصناعية الرئيسية، ومنعت الاستثمار الأجنبي في القطاعات التي تعتبر أساسية للأمن القومي. وقال ترامب إنه سيقوم بتطبيق زيادة شاملة للتعريفات الجمركية، واختص الواردات الصينية على وجه التحديد بنسبة عالية من هذه التعريفات الجمركية.

من المرجح أن تصبح صادرات التكنولوجيا المتقدمة مصدراً للقلق المتزايد في ظل أياً من الإدارتين. وسوف يتعين على شركاء الولايات المتحدة في مجال التجارة توخي الحذر في إدارة علاقاتهم مع أطراف ثالثة، وخاصة الصين، للحصول على هذه الصادرات.

خلاصة القول: لن يشهد التحول نحو تطبيق المزيد من سياسات الحمائية التجارية أي تراجع في ظل أي من المرشحين، ولكن من المرجح أن تتبنى هاريس نهجاً أقل تصعيداً في التجارة مقارنة بترامب. 

التأثير على النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة

من الصعب أن نحكم على كيفية تأثر الاقتصاد الأمريكي بالسياسات التي حددها كلاً من المرشحين. أولاً، على الأغلب لا تتحول الوعود التي تم التعهد بها أثناء الحملة الانتخابية لسياسات يتم تطبيقها، وذلك إما لأن المرشح الفائز يتراجع عنها بمجرد انتخابه، أو لأنه يتم تعديل أجندته السياسية أو حجبها من قبل الكونغرس، أو يتم تأجيل هذه السياسة أو حجبها بنجاح بسبب الطعون في المحاكم. ثانياً، من الصعب أن نعرف كيف سيؤثر أي تغيير في السياسات على النمو عندما تكون هناك الكثير من التيارات المتقاطعة الأخرى التي تؤثر على الاقتصاد في الوقت ذاته. ثالثًا، بعض المقترحات السياسية تدفع نحو اتجاهات مختلفة. على سبيل المثال، قد تعزز سياسة مالية توسعية النمو على الأمد القريب، ولكن فرض التعريفات الجمركية المرتفعة من شأنه أن يرفع التكاليف، ما قد يؤدي إلى تباطؤ النمو، في حين أنه من المرجح أن يتسبب التضخم المالي المرتفع في تقييد قدرة الاحتياطي الفيدرالي على تخفيف السياسة النقدية.

أشارت توقعات عدة جهات، من بينها جولدمان ساكس وموديز، أن إدارة هاريس ستكون خيار أفضل لنمو اقتصاد الولايات المتحدة على المدى القريب، على الرغم من أن الاقتصاديين المقربين من ترامب يعارضون هذا التنبؤ. ولعل أكثر ما يثير القلق من منظور النمو، هو الخطر المتمثل في أن تؤدي الزيادة الكبيرة في التعريفات الجمركية، التي يعتزم ترامب فرضها، لإشعال حرب تجارية عالمية إذا رد شركاء أمريكا التجاريون بالمثل. من شأن سيناريو من هذا القبيل أن يتسبب في تأثيرات سلبية كبيرة على النمو في الولايات المتحدة والعالم.

التأثيرات المحتملة على السعودية

نظراً لدور الولايات المتحدة المركزي في الاقتصاد العالمي، فإن ما يحدث فيها له أهمية كبرى بالنسبة لبقية العالم. ولا تعتبر السعودية استثناءاً من ذلك نظراً لعلاقاتها الوثيقة مع الولايات المتحدة، ودورها المركزي في سوق النفط العالمي، وربط سعر الصرف فيها (إلى جانب دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى باستثناء الكويت) بالدولار الأمريكي منذ أمد بعيد، ما يسمح لها بالاستفادة من مصداقية السياسة النقدية الأمريكية. ولقد أكدت الدراسات الاقتصادية أن صحة الاقتصاد الأمريكي تعد من أهم العوامل الحاسمة للنمو الاقتصادي السعودي.

يتمثل المسار الرئيسي الذي يمكن من خلاله للانتخابات الأمريكية أن يؤثر على الاقتصاد السعودي في عام 2025 هو الطلب على النفط. إن التغيرات في النمو الاقتصادي الأمريكي بعد الانتخابات ستؤثر على الطلب على النفط في البلاد، وسينعكس ذلك على أسعار النفط، وربما على إنتاج النفط السعودي إذا واصلت المملكة سعيها لتحقيق التوازن بين العرض والطلب في سوق النفط العالمي. كما سيكون لمسار السياسة النقدية والمالية الأمريكية أهمية خاصة. فأسعار الفائدة في السعودية تتبع الولايات المتحدة بشكل وثيق بسبب الترابط في سعر الصرف. إن السياسة المالية المفرطة في التوسع أو الزيادة الحادة في أسعار التعريفات الجمركية عقب الانتخابات قد تضع ضغوطًا تصاعدية متجددة على التضخم المالي، وتقلل من قدرة الاحتياطي الفيدرالي على الاستمرار في تخفيض أسعار الفائدة. وسيؤثر هذا على السياسة النقدية في السعودية مع ما يصحبه من انعكاسات على نمو الائتمان والاقتصاد. ومع ذلك، فمن غير المرجح أن يكون تأثير الانتخابات على الاقتصاد السعودي في عام 2025 كبيراً، ما لم تشتعل حرب تجارية عالمية نتيجة لفرض الولايات المتحدة لتعريفات جمركية مرتفعة. وفي مثل هذا السيناريو، فإنه من شأن التباطؤ الكبير في النمو العالمي أن يؤثر بشكل ملموس على الطلب على النفط.

أما بعد عام 2025، فإن السعودية قد تتأثر بالاختلافات في سياسة الطاقة الأمريكية. في حين أن استراتيجية ترامب المؤيدة للوقود الأحفوري، والتي من شأنها أن تسمح بزيادة كبيرة في التنقيب والتكسير الهيدروليكي قد تؤدي إلى زيادة في إنتاج النفط الأمريكي مقارنة بإدارة هاريس، إلا أنه من المرجح أن تشهد سياسات الولايات المتحدة كذلك تباطؤاً في تطوير الطاقة النظيفة. ولن تكون هذه التأثيرات فورية لأن قرارات الاستثمار الجديدة التي تدفعها تغييرات السياسة بعد الانتخابات سوف تستغرق وقتاً طويلاً حتى تؤثر على حجم إنتاج النفط والطاقة النظيفة. ومع ذلك، فإنه لن يتضح على الفور ما إذا كانت هذه الاختلافات في سياسات الطاقة ستكون إيجابية أو سلبية بالنسبة للسعودية. إذا تزامن ارتفاع إمدادات النفط الأمريكية في ظل إدارة ترامب مع ارتفاع في الطلب الأمريكي على النفط (لأن إمدادات الطاقة النظيفة أقل، على سبيل المثال) فلن يتأثر سوق النفط العالمي بشكل واضح (لأنه في هذه الحالة سيكون العرض والطلب في ازدياد)، وسيتم تحديد ذلك التأثير من خلال القوة النسبية للتأثيرين. ولا تزال طريقة تقييم السعوديين أنفسهم لإمكانية زيادة إنتاج النفط الأمريكي وتصديره في ظل إدارة ترامب غير واضحة. كانت الزيادة في إنتاج النفط الأمريكي في السنوات الأخيرة أحد العوامل وراء التخفيضات الكبيرة في الإنتاج التي قامت بها السعودية بموجب اتفاق تحالف أوبك بلس في محاولة لضمان بقاء سوق النفط العالمية في حالة توازن.

ستكون سياسات التجارة والاستثمار الأجنبي الأمريكية بعد الانتخابات مهمة أيضًا بالنسبة للسعودية. فتطوير التكنولوجيا والصناعات العسكرية السعودية يعد عنصراً رئيسياً من عناصر إصلاحات رؤية 2030. ولدعم هذا التطور، تحرص المملكة على الحصول على رقائق الكمبيوتر المتطورة وغيرها من التقنيات المتقدمة من الشركات الأمريكية. كما أنها تستثمر في الشركات الأمريكية لتشجيع التحويلات التكنولوجية إلى المملكة. ومع ذلك، فإنه من المرجح أن تتعمق مخاوف الولايات المتحدة بشأن المخاطر الأمنية القادمة من الصين وغيرها في عهد الرئيس المقبل، وقد يتسبب ذلك في فرض المزيد من القيود على صادرات التكنولوجيا فائقة التطور عندما تكون هناك مخاوف بشأن المكان الذي يمكن أن تصل إليه هذه التكنولوجيا. بالنسبة للسعودية، حيث العلاقات مع كلٍ من الولايات المتحدة والصين مهمة اقتصادياً، فإن هذا قد يتسبب في اتخاذ بعض القرارات الصعبة. وفي ظل اقتصاد عالمي متزايد التفكك، فإن التعامل بطريقة محايدة بين القوتين الاقتصاديتين المهيمنتين قد يصبح أصعب. ويمكن لأي خطوات خاطئة أن تنعكس سلباً على عملية التنويع الاقتصادي.

وأخيرًا، ربما يكمن التأثير المحتمل الأكبر على السعودية على المدى الطويل في عدم تركيز أي من المرشحين الرئاسيين على التحديات المالية التي تواجه الولايات المتحدة. لقد ارتفعت ديون الحكومة الفيدرالية بشكل حاد على مدى السنوات الخمس الماضية ومن المتوقع أن ترتفع أيضاً بشكل كبير خلال العقد المقبل بصرف النظر عمن سيفوز في الانتخابات. مع اقتراح كلا المرشحين سياسات من شأنها أن تزيد حجم الديون، يبدو أنه لا توجد رغبة سياسية في ضبط المالية العامة. ربما لا يشكل ذلك مخاوف فورية نظراً لمكانة الولايات المتحدة القوية في النظام المالي العالمي، ولكن سوف تزداد مخاوف المستثمرين في نهاية المطاف بشأن استدامة ديون الحكومة الأمريكية إذا لم يتم اتخاذ إجراء لمعالجة الأسباب الجذرية لزيادتها. وستتفاقم هذه المخاوف المالية نتيجة لأي ضعف يمكن أن يحدث لاستقلالية هيئة الاحتياطي الفيدرالي.

بالنسبة لدولة مثل السعودية التي ترتبط عملتها بالدولار الأمريكي، فإن مصداقية السياسة النقدية والمالية للولايات المتحدة تعد أمراً ضرورياً لكي تفوق فوائد هذا الربط تكاليفه. كما أن زيادة التقلبات الاقتصادية والمالية، التي من المرجح أن تحدث إذا ثارت مخاوف في الأسواق المالية بسبب استدامة ديون الحكومة الأمريكية، من شأنها أن تجعل عملية ربط العملة المحلية بالدولار خياراً سياسياً أقل جاذبية مما كان عليه في الماضي. إلى جانب الجهود المبذولة حالياً في إطار رؤية 2030 لتنويع الاقتصاد بعيداً عن النفط، يمكن لهذا الأمر أن يؤدي إلى تسريع وتيرة الابتعاد عن الارتباط بالدولار نحو سياسة أكثر مرونة لسعر الصرف في المملكة.”

The post الانتخابات الأمريكية والاقتصاد السعودي appeared first on AGSI.

]]>
https://agsi.org/ar/analysis/%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%86%d8%aa%d8%ae%d8%a7%d8%a8%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d8%b1%d9%8a%d9%83%d9%8a%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%82%d8%aa%d8%b5%d8%a7%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%b9/feed/ 0 23853
تطور اليوم الوطني السعودي https://agsi.org/ar/analysis/%d8%aa%d8%b7%d9%88%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%8a%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%b7%d9%86%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%b9%d9%88%d8%af%d9%8a/ https://agsi.org/ar/analysis/%d8%aa%d8%b7%d9%88%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%8a%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%b7%d9%86%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%b9%d9%88%d8%af%d9%8a/#respond Wed, 09 Oct 2024 21:52:56 +0000 https://live-agsi.pantheonsite.io/?post_type=analysis&p=23860 بالتوازي مع الاحتفالات، أظهر اليوم الوطني السعودي الرابع والتسعون أبعاداً جديدة من الجدية في المملكة.

The post تطور اليوم الوطني السعودي appeared first on AGSI.

]]>
“في الثالث والعشرين من سبتمبر 2017، بعد أشهر محدودة من تعيين الأمير محمد بن سلمان ولياً للعهد، شهدت المملكة العربية السعودية احتفالات باليوم الوطني السعودي لا سابق لها.  وفي ذات العام، كانت المملكة قد شهدت تحولاً قومياً أججته الحملة السياسية لمقاطعة قطر. وقد فتح استاد الملك فهد الدولي في الرياض أبوابه للعائلات، بما في ذلك النساء والأطفال لأول مرة على الإطلاق، لمشاهدة أوبريت خُصّص لتصوير الرحلة التاريخية لشعب شبه الجزيرة العربية، والتي توجت بتأسيس المملكة العربية السعودية. وفي جدة، استمتع جمهور غفير بعروض الموسيقيين السعوديين والخليجيين في استاد الجوهرة.

إلا أن الحدث الأبرز جرى في شارع التحلية في وسط مدينة الرياض، حيث أشرفت الهيئة العامة للترفيه، حديثة المنشأ آنذاك، على ما أصبح حفلة صاخبة مفتوحة. احتفل الشباب والفتيات، الذين تحرروا حديثاً من إجراءات الفصل بين الجنسين التي فرضتها الشرطة الدينية، بحماس كبير في الشوارع على أنغام موسيقى التكنو والألعاب النارية، في حين تم عرض صور وطنية على برج المملكة. وكان صوت موسيقى الرقص في شوارع الرياض، ناهيك عن اختلاط الشباب من الجنسين الشباب، صادماً للمراقبين في الخارج وللسعوديين في الداخل على حد سواء. وقد ندد أحد الحسابات على وسائل التواصل الاجتماعي بانعدام الاحتشام، حيث نشر أن “الوطنية ليست بهذه الطريقة… نفرح، ولكن في إطار الحياء ولا نعصي الله”.

اليوم، وبعد سبعة أعوام، أصبح نظام محمد بن سلمان أكثر استقراراً، حيث يمكننا التنبؤ بخطواته المستقبلية. يمكن أن يكون اليوم الوطني الرابع والتسعون للمملكة مُلبياً لاحتياجات الشباب والعائلات، ولكن الاحتفال نفسه كان مظهراً لقومية عسكرية عبرت عن نفسها من خلال المواكب العسكرية والألعاب النارية. وأشادت الصور الرسمية والأغاني الوطنية باتساع المشاريع الحضرية والصناعية في السعودية. إذا كانت بدايات هذه الحقبة القومية قد حملت وعوداً سعيدة، فقد حان الوقت الآن للعمل الجاد.

تطور الاحتفالات باليوم الوطني السعودي 

لقد تطورت الاحتفالات باليوم الوطني السعودي على مر تاريخ المملكة، لتعكس تغيرات المملكة والأيديولوجية السائدة فيها. فاليوم الوطني هو إحياء لذكرى توحيد المملكة، التي أعلنها المؤسس الملك عبد العزيز آل سعود للمرة الأولى في 23 سبتمبر/أيلول 1932. في السابق كانت الاحتفالات السنوية القومية مقتصرة على احياء ذكرى جلوس الملوك على العرش عبر عقد الخطابات وتقديم البيعة للحاكم. ولكن حتى تلك الاحتفالات المحدودة والمحافظة في طبيعتها قوبلت بالاعتراضات، حيث أدانها رجال الدين الوهابيون بأنها بدعة لا تدين للإسلام بصلة. واستمر انتقاد السلطات الدينية السعودية لاحتفالات العيد الوطني، حيث أصبح نمطاً يحد من هذه الاحتفالات.

لم يكن لهذه الاحتفالات الوطنية يوماً ثابتاً، بل كان اليوم يتغير مع اعتلاء كل ملك جديد للعرش، ويسمى ذلك اليوم بيوم الجلوس الملكى. أما أول يوم وطني حقيقي فقد أسسه الملك فيصل بن عبد العزيز في عام 1965، فبدلاً من الاحتفال بيوم جلوسه أعلن يوماً وطنياً جديدًا متزامنًا مع تاريخ توحيد المملكة. وكان تأسيس هذا اليوم متناسقاً مع عملية التحديث السعودية التي أطلقها الملك فيصل بن عبد العزيز، إلا أن إحياء ذكرى اليوم الوطني لم يكن إلا شأناً حكومياً متواضعاً، حتى إن هذا اليوم لم يكن عطلة رسمية حتى عام 2005، حين أصبح مناسبة وطنية شعبية ومعروفة خلال المملكة.

وفي عهد الملك عبد الله بن عبد العزيز، أصبحت القومية معبرة عن الوحدة السعودية، ومتضمنة لعناصر محدودة من الرمزية الدينية. وتزامنت هذه القومية الجديدة مع افساح المجال لإصلاحات محدودة في المجال الاجتماعي والسياسي. وعكست العطلة الرسمية في اليوم الوطني هذا التحول نحو الهوية الوطنية والاندماج المجتمعي. ومع عدم معالجة مسألة السلطة الدينية، أو كبح سلطات تنفيذ القانون الممنوحة للشرطة الدينية، ظلت الاحتفالات باليوم الوطني تفتقر للتنظيم الحقيقي وتقتصر على الأنشطة الترفيهية. الأمر الذي جعل من المدن عرضة لحوادث السير والفوضى في الشوارع بسبب الشباب المشاغبين.

في عهد الملك سلمان بن عبد العزيز، وتحديداً بعد أن تولى محمد بن سلمان منصب ولي العهد في عام 2017، أصبح الترفيه والقومية ركيزتين أساسيتين للعهد الجديد. حيث تم تعزيز أهمية اليوم الوطني، وتم تمكين الهيئة العامة للترفيه من تنظيم فعاليات اليوم الوطني. وبلغت أهمية هذا اليوم ذروتها في عام 2019، عندما تم تخصيص موسم خاص لليوم الوطني التاسع والثمانين، حيث جرت الاحتفالات على مدار أسبوع كامل، وانخرط ما يزيد عن 17 هيئة حكومية في تنظيم أكثر من 180 فعالية، بما في ذلك الحفلات الموسيقية والمنتديات الشبابية والتجمعات الوطنية وعروض الألعاب النارية. وكان هذا بمثابة تمهيد لانطلاق موسم الرياض الأول بعد شهر، مع جدول متكامل من البرامج الترفيهية والثقافية، والإعلانات التجارية في مناطق مخصصة لذلك في جميع أنحاء المدينة. وتم تمديد البرنامج لعدة أشهر لخدمة الإعلان عن المملكة كوجهة سياحية وترفيهية جديدة.

اليوم الوطني الرابع والتسعون ورؤية 2030 

قلصت جائحة فيروس كورونا من حجم الاحتفالات باليوم الوطني، ولكنها لم تؤد إلى توقفها. على الرغم من أن مهمة تنظيم الاحتفالات باليوم الوطني لا تزال تحت إشراف الهيئة العامة للترفيه، أصبحت هذه الاحتفالات في فترة ما بعد الجائحة أكثر تواضعاً، وأصبحت رسائل اليوم الوطني تستهدف الطموحات الاقتصادية بالدرجة الأولى. على مدى العامين الماضيين، كان شعار اليوم الوطني “نحلم ونحقق”، مع صورة تمثل الاحتفاء بتطوير رؤية 2030. في الصورة التي تعبر عن هذا الشعار، يقف رجل وامرأة – يرمزان للشباب السعودي – تحيط بهما أيقونات مستقبلية للبنية التحتية الاقتصادية والثقافية في السعودية: بوابة الدرعية ومحطة الشعيبة للطاقة الشمسية ومنطقة العلا وبرنامج رواد الفضاء ومشروع مكعب الرياض والسيارات الكهربائية ومشروع ذا لاين.

شعار وموضوعات اليوم الوطني السعودي 93 و94. (صورة من الهيئة العامة للترفيه)

بالنسبة للهيئة العامة للترفيه، فإن هذا الشعار “يرسم حدود أرض المملكة التي تحتضن الحلم بعزيمة وإصرار، تجعل منه حقيقة ثابتة راسية كالجبال.”

إضافة للترفيه كهدف لاحتفالات العيد الوطني السعودي هذه السنة فقد تم التركيز كذلك على الأمن والتنمية في المملكة. وفي الدرعية، تمثلت الفعالية الرئيسية في عرض لموكب عسكري روجت له وزارة الداخلية، التي وصفت الدرعية، العاصمة التراثية وأصل الدولة السعودية الأولى، بأنها “مسيرة أمن وسيرة للوطن”. اتخذت قوات الأمن العام من وسط المسرح موقعاً لتأدية عرض للمشاة بالتزامن مع انسياب صور وامضة للدبابات وعربات الشرطة عبر المنصة. وشهدت المنطقة الداخلية وسط القصيم عروضاً وطنية بمواكب لآليات عسكرية وشرطية، وما يزيد على 30 وكالة حكومية. وفي غضون ذلك، كان الكورنيش في جدة مزدحماً بالأفراد، وامتلأت المنطقة الساحلية في الخُبر بالحشود لمشاهدة الألعاب النارية.

ربما تعكس هذه الاحتفالات المتواضعة الحالة المزاجية الكئيبة في المنطقة. ففي الأسبوع الذي أعقب احتفالات اليوم الوطني، قصفت القوات الإسرائيلية غزة ولبنان، وأطلقت إيران صواريخ على إسرائيل، في تناقض صارخ مع موضوعات الأمن والتنمية التي تُعرض في الرياض. أو ربما تعكس هذه الاحتفالات التقشف النسبي، حيث تعمد السعودية لتقليص النفقات للتركيز على أساسيات عملية التنويع الاقتصادي. بالنسبة للمواطنين السعوديين الذين يحتفلون بالوحدة الوطنية، أصبحت الاحتفالات ذات الطابع الترفيهي أمراً مألوفاً، فيما أصبح العمل الجاد لبناء البنية التحتية الوطنية الجديدة وثقافة العمل أكثر جدية، خاصة مع تزايد المخاطر من حولهم من كل حدب وصوب.”

The post تطور اليوم الوطني السعودي appeared first on AGSI.

]]>
https://agsi.org/ar/analysis/%d8%aa%d8%b7%d9%88%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%8a%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%b7%d9%86%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%b9%d9%88%d8%af%d9%8a/feed/ 0 23860